فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 2536

أما تفصيل القول في المناسك من بيان لأحكام الحج والعمرة فقد تعرضنا لكثير من ذلك في سورة البقرة - ومع ذلك نقتضب بعضا من الأحكام عن مناسك الحج فنقول: إن فريضة الحج ثابتة في الكتاب والسنة بما يدل على التراخي وليس على الفور، وهو قول كثير من أهل العلم، منهم الإمام مالك وكذا الشافعي - وقال به بعض الحنفية، ودليلهم في ذلك أن الله تعالى قال في سورة الحج: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا) وسورة الحج مكية - وقال تعالى: (ولله على الناس حج البيت) وهذه السورة مدنية نزلت عام أحد بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة ولم يحج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى سنة عشر.

ويدل على كونه على التراخي إجماع العلماء على عدم تفسيق القادر على الحج إذا أخره العام والعامين أو نحو ذلك - وهو عند جميع العلماء ليس كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها فقضاها بعد خروجها وقتها، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه، ولا كمن أفسد حجه فقضاه، ولكنه إذا أدى فريضة الحج خلال عمره يكون مؤديا للفريضة وكفى، وليس عليه بعد بأس أو تقصير - وقد أجمعوا على أنه لا يقال لمن حج بعد أعوام من وقت استطاعته: أنت قاض لما وجب عليك - فيفهم من ذلك أن وقت الحج موسع فيه وأنه على التراخي لا على الفور - وقد خالف في ذلك فريق من العلماء فيهم أهل الظاهر وبعض المالكية، إذ قالوا بوجوب الحج على الفور لا على التراخي، وبذلك من قدر على الحج فأخره عاما أو أكثر فقد احتمل إثما للتأخير - ولا نجد لهم في هذا القول من احتجاج غير الاعتماد على ظاهر الآية وهو ما ليس فيه استدلال مستبين على الفورية 171 وعلى هذا فالقول الأول هو الصواب والله تعالى أعلم.

وإنما يجب الحج على المكلف، وهو العاقل البالغ الحر المريد، فلا يجب على المجنون ولا الصغير ولا العبد، ولا من كان معدوم الإرادة كما لو كان سجينا أو حبيسا أو مقيدا في الأغلال، فأولئك غير مطالبين بفريضة الحج حتى تزول عنهم موانع الوجوب، وعلى هذا اتفقوا على حمل هذه الآية على جميع الناس ذكورا وإناثا ما عدا الصغير، فإنه خارج عن دائرة الوجوب بالإجماع؛ لكونه غير مكلف، وكذلك العبد غير داخل في أصول التكليف؛ لعدم استطاعته، وكذا الأمة لا تكلف بالحج.

قال ابن المنذر في هذا الصدد: أجمع عامة أهل العلم إلا من شذ منهم ممن لا يعد خلافا على أن الصبي إذا حج في حال صغره، والعبد إذا حج في حال رقه ثم بلغ الصبي وعتق العبد إن عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليها سبيلا 172.

قوله: (من استطاع إليه سبيلا) (من) بدل بعض من الكل وهو الناس - وقيل: (مَنِ) أداة شرط - والأول أظهر.

أما السبيل ففي تأويله تفصيل - على أن جملة القول في ذلك أن استطاعة السبيل إلى الشيء عبارة عن إمكان الوصول - ويعتبر في حصول هذا الإمكان صحة البدن وزوال خوف التلف مما يخشى منه على النفس كسبع أو عدو أو فقدان الطعام والشراب، وكذلك القدرة على المال الذي يشتري به الزاد والراحلة وأن يقضي جميع ما عليه من الدين وأني راد ما لديه من الودائع - وإن وجب عليه الإنفاق على أحد لم يجب عليه الحج إلا إذا ترك من المال ما يكفيهم في الذهاب وفي المجيء 173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت