فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 2536

القول الأول: تأويله أن كل من جر في الجاهلية جريرة ثم عاذ بالبيت لم يكن بها مأخوذا، أي لم يؤخذ بجريرته مادام عائذا بالبيت، أما في الإسلام فإنه لا يمنع من حدود الله، فمن سرق فيه قطع، ومن زنا فيه أقيم عليه الحد، ومن قتل فيه قتل، وبذلك يكون تأويل الآية أن من يدخله من الناس كان آمنا به في الجاهلية دون الإسلام.

القول الثاني: معنى ذلك أن من يدخله يكن آمنا بمعنى الجزاء - كقوله القائل: من قام لي أكرمته - وقد كان ذلك في الجاهلية لما كان الحرم مفزع كل خائف وملجأ كل جانٍ؛ لأنه لم يكن يهاج به ذو جريرة ولا يعرض فيه الرجل لقاتل أبيه وابنه بسوء، وكذلك هو في الإسلام؛ لأن الإسلام زاد البيت تعظيما وتكريما - قال ابن عباس في ذلك: إذا أصاب الرجل الحد: قتل أو سرق فدخل الحرم، لم يبايع ولم يؤو حتى يتبرم فيخرج من الحرم فيقام عليه الحد - وذكر عنه قوله أيضا: إذا أحدث الرجل حدثا في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم لم يعرض له ولم يؤو ولم يبايع ولم يجالس ولم يكلم ولم يطعم ولم يسق حتى يخرج من الحرم، فإذا خرج منه أخذ فأقيم عليه الحد.

وعن عطاء بن أبي رباح، في الرجل يقتل ثم يدخل الحرم قال: لا يبيعه أهل مكة ولا يشترون منه ولا يسقونه ولا يطعمونه ولا يؤونه، عدّ أشياء كثيرة- حتى يخرج من الحرم فيؤخذ بذنبه.

وذهب آخرون إلى أنه يٌخرج من الحرام قسرا ليلقى جزاءه خارجه، وهو قول ابن الزبير ومجاهد والحسن - فقد قالوا: معنى ذلك أن من دخله من غيره ممن لجأ إليه عائذا به كان آمنا ما كان فيه، ولكنه يخرج منه فيقام عليه الحد إن كان أصاب ما يستوجبه في غيره ثم لجأ إليه، وإن كان أصابه فيه أقيم عليه فيه - فتأويل الآية بذلك: فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن يدخله من الناس مستجيرا به يكن آمنا مما استجار منه ما كان فيه حتى يخرج منه.

واختلفوا في صفة إخراجه من البيت فقال بعضهم: صفة ذلك معنى المعاني التي يضطر مع منعه منها إلى الخروج من الحرم - وقيل غير ذلك.

وثمة قول ثالث في تأويل الآية، وهو أن من دخله يكن آمنا من النار 167.

قوله: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) اللام في قوله: (ولله) لا الإيجاب والإلزام - ثم أكد ذلك بقوله تعالى: (على) وهي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب - وبذلك ذكر الله تعالى الحج بأبلغ ألفاظ الوجوب تأكيدا لحقه وتعظيما لحرمته 168.

والحج في اللغة بمعنى القصد، والحج بالكسر الاسم، والحجة بالكسر أيضا المرة الواحدة، والحجة بالكسر أيضا تعني السنة، والجمع الحجج.

أما معناه في الاصطلاح الشرعي فهو: قصد مكة من أجل النسك في وقت معلوم 169.

إذا تبين ذلك نقول: يجب الحج على كل مسلم مكلف ذكرا أو أنثى مرة واحدة في العمر، وذلك بالنص والإجماع - فقد روي الإمام أحمد رحمه الله عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال:"أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا"فقال رجل: أكلّ عام يا رسول؟ فسكت حتى قالها ثلاثا - فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم"ثم قال:"ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم - وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه"170.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت