فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 2536

ويضاف إلى ذلك أن الله قد خص مريم بما لم يؤته أحدا من النساء - ومن جملة ذلك أن روح القدس كلمها وظهر لها ونفخ في درعها ودنا منها للنفخة وليس هذا لأحد من النساء؛ ولذلك سماها الله في تنزيله صدّيقة فقال: (وأمه صديقة) وقال: (وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين) فشهد لها بالصديقية وشهد لها بالتصديق لكلمات البشرى وشهد لها بالقنوت - وغير ذلك من المناقب مما ليس لامرأة من نساء العالمين 92.

قوله: (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) القنوت كلمة جامعة تتضمن معاني الطاعة والسكوت والدعاء والقيام في الصلاة والإمساك عن الكلام.

وقيل: المراد بقنوت مريم أن تطيل القيام في الصلاة، وأن تخلص الطاعة لربها وحده.

وقوله: (واسجدي واركعي مع الراكعين) أمرها بالصلاة في الجماعة بذكر أركانها مبالغة في المحافظة عليها - فقد كانت مأمورة بأن تصلي في بيت المقدس مع المجاورين وإن كانت لا تختلط بهم.

قوله تعالى: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون) هذه الأخبار من أستار الغيب، أي مما يخفى من أخبار القوم التي لم تطلع عليها أنت يا محمد ولا قومك، ثم أوحى الله بها إليك لتكون حجة لك على نبوتك وصدق ما جئتهم به.

وقوله: (نوحيه إليك) أي ننزله إليك وحيا، أي عن طريق الوحي، وأصل الإيحاء إلقاء الموحي إلى الموحى إليه، وذلك قد يكون بكتاب أو إشارة أو إيماء أو إلهام.

قوله: (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) أي ما كنت يا محمد عندهم فتعلم ما نعلمك به من أخبارهم التي لم تشهدها، لكنك إنما تعلم ذلك بإعلامنا لك به كأنك حاضر وشاهد لما كان من أمرهم حيت اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها؛ وذلك لرغبتهم في الأجر (إذ يلقون أقلامهم) أي سهامهم التي استهم بها المستهمون من بني إسرائيل على كفالة مريم.

قوله: (وما كنت لديهم إذ يختصمون) كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم فتشاحّ عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا بسهامهم أيهم يكفلها، فقرعهم زكريا وكان زوج خالتها، وقيل: زوج أختها، وذلك بعد اختصامهم فيها أيهم أحق بها وأولى 93.

قوله تعالى: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين) التبشير إخبار المرء بما يسره من خير.

وقوله: (بكلمة منه) أي بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي يقول له"كن"فيكون - وهو قول أكثر المفسرين - وقيل: بكلمة منه، أي برسالة من الله وخبر من عنده - وهو من قول القائل: ألقى إليّ فلان كلمة سرني بها، بمعنى أخبرني خبرا فرحت به - كما قال تعالى: (وكلماته ألقاها إلى مريم) يعني بشرى الله مريم بعيسى ألقاها إليها - وقيل: بكلمة منه هي اسم لعيسى سماه الله بها - وهو قول ابن عباس وهي أن الكلمة هي عيسى المسيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت