قوله: (وذوقوا عذاب الحريق) أي تقول لهم الملائكة: ذوقوا النار البالغة في الإحراق - والحريق الاسم من الاحتراق - والمراد: إدراك الألم بذوق النار وهو مسها 26.
قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ ولباسهم فيها حرير(23) وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24 ) ) بعد أن ذكر حال المعذبين في النار وما يجدونه فيها من شدة اللهب وفظاعة التحريق والنكال والأغلال، شرع يذكر حال السعداء من أهل الجنة؛ إذ ينعمون فيها بالخير الدائم والقرار الآمن الكريم - وذلك في الجنة وما فيها من أنهار جارية مناسبة تنساح في أكنافها وخلالها - وهم كذلك (يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير) لؤلؤا، منصوب بفعل مقدر - أي يُعطون لؤلؤًا.
قال المفسرون: لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتيجان جعل الله ذلك لأهل الجنة (ولباسهم فيها حرير) أي أكسيتهم في الجنة مما يلبسونه من فُرشهم ولباسهم وستورهم، من حرير؛ فقد أباح الله لأهل الجنة التحلي بالذهب والاكتساء بالحرير، وقد كان ذلك في الدنيا حراما على الرجال دون النساء - لكن المؤمنين أعطوا من أصناف النعيم والزينة في الجنة ما يحقق لهم كامل السعادة الأبدية والرخاء المستديم.
قوله: (وهدوا إلى الطيب من القول) هدى الله المؤمنين في الدنيا إلى الكلام الطيب وهو قولهم: لا إله إلا الله - وقيل: القرآن - وكذلك هداهم (إلى صراط الحميد) أي طريقه المحمود وهو دين الإسلام؛ ففيه صلاحهم ونجاتهم وسعادتهم - وقيل: ألهمهم قول الطيب من القول في الجنة وهو قولهم: (الحمد لله الذي هدانا لهذا) (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) - ونحو هذا من شكر الله والتسبيح بحمده.
وكذلك هداهم الله يوم القيامة إلى صراطه المحمود وهو الجنة - وهذا الذي يدل عليه سياق الآية.
قوله تعالى: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) } روي أنها نزلت حين خرج النبي (ص) في غزوة الحديبية عام ست، فصدّه المشركون عن دخول البيت ومنعوه فقاضاهم على العام المستقبل، وقضى عمرته في مكانه ونحر هديه وحلق رأسه ورجع إلى المدينة 27.
وفي المراد بالمسجد الحرام قولان - أحدهما: أنه المسجد نفسه دون الحرم كله وهو ظاهر القرآن؛ لأنه لم يذكر غيره - وثانيهما: أنه الحرم كله؛ لأن المشركين صدوا رسول الله (ص) وأصحابه عنه عام الحديبية فنزل خارجا عنه في الحل وقد عيّرهم الله بذلك في قوله: (وصدوكم عن المسجد الحرام) .