ومنها: لو سرق نقودا من بيوت غير حريزة كما لو كانت غير مغلقة تماما وليس عندها حارس يحرسها فلا قطع.
ومنها: لو سرق من بيت في غير العمران، كأن يكون ذلك في البر أو الصحراء أو سرق من البساتين وليس فيها حافظ يحرسها فلا قطع، لأن المال في مثل هذه الأمكنة لا يكون محرزا بغير حافظ مستيقظ 94.
إلى غير ذلك من الشبهات التي لا تقبل الحصر والتي تحول دون تنفيذ القطع وبذلك لا يتحقق القطع إلا في حق فريق من اللصوص المجاهرين بالسرقة في وقاحة مكشوفة واجتراء لئيم مفضوح - أولئك فريق من المجرمين الأشرار يقتحمون بيوت الناس وأماكنهم فيهتكون أستارها هتكا لسرقة أموالهم في مجاهرة خسيسة ظالمة - لا جرم أنهم قلة وهم مفسدون أشقياء لا يستحقون غير العقاب الصارم وهو القطع - فلا يحسبن أحد من الجاهلين أن تطبيق الشريعة مدعاة لقطع كثير من الأيدي - إن هذا الزعم ليس إلا الوهم الغليظ يغشى الأذهان المتربصين والمتعصبين الحانقين الذين يكرهون الإسلام.
إن تنفيذ هذا الحد قليلا ما يتحقق لشدة الضوابط التي قررتها الشريعة في ذلك - وهي ضوابط لا يتجاوزها من السارقين المستحقين للقطع- إلا القليل.
قوله: {جزاء بما كسبا} جزاء، مفعول لأجله منصوب - أي اقطعوا أيديهما للجزاء وقيل: منصوب على المصدر لاقطعوا - وبما كسبا، أي بسبب كسبهما أو ما كسباه من السرقة.
قوله: {نكالا من الله} مفعول لأجله أيضا - أو منصوب على المصدر كالقول في {الجزاء} فيكون تقدير الكلام: جازوهم ونكلوا بهم جزاء بما كسبا نكالا من الله - والنكال اسم - نكل به تنكيلا، أي صنع به صنيعا يحذر غيره - ونكل به نكلة أي أصابه بنازلة - ونكل به التشديد للمبالغة 95.
قوله: {والله عزيز حكيم} أي أن الله قوي في انتقامه من السارقين وهو سبحانه لا يغالب في كيده لهم والانتقام منهم بما أوجبه عليهم من حد، وهو كذلك حكيم فيما فرضه على السارقين والعصاة من حدود 96.
قوله تعالى: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير} .
من تاب من السارقين من بعد ما قارفه من ظلم وهو السرقة وأصلح أمره بفعل الطاعات واجتناب المحظورات ورد ما سرقه إلى أصحابه إن أمكن أو أنفقه في سبيل الله واجتناب المحظورات ورد ما سرقه إلى أصحابه إن أمكن أو أنفقه في سبيل الله إن جهله فإن الله يقبل توبته فلا يعذبه في الآخرة - أما القطع فلا يسقط بالتوبة عند الجمهور، لأن فيه حق المسروق منه وهو صاحب المال.
وقال بعض التابعين: يسقط الحد بالتوبة قبل القدرة على السارق وهو أحد القولين للشافعي، لأن ذكر الغفور الرحيم في آخر الآية يدل على سقوط العقوبة عن السارق - والعقوبة هنا الحد، وظاهر الآية يقتضي سقوطه - وكذلك قوله تعالى في آية الحرابة: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} وذلك استثناء من الوجوب فوجب حمل جميع الحدود عليه 97.