فقد أخرج الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة".
وأخرج الإمام أبو حنيفة في مسنده عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ادرؤوا الحدود بالشبهات".
وروي عن عمر رضي الله عنه قوله:"لأن أخطئ في درء الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات"88.
وثمة أمثلة تطبيقية يتبين منها أن الشبهة تدرأ حد السرقة عن السارق الذي لم تكتمل جنايته - وهي أمثلة منتشرة وكثيرة:
منها: لو اجتاحت الناس مجاعة مضنية تلين فيها العزائم، وتسترخي بسببها الهمم فتجنح أنفس كثيرة قد عضها الطوى - للسرقة من أموال الناس - فلا مساغ للحاكم في مثل هذه الحال أن يقيم الحد على السارقين لما يحل بساحتهم من شبهة الجوع المضني - يقول الله جل وعلا في عموم ذلك: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} .
وكان عمر بن الخطاب يقول:"لا قطع في عام المجاعة والسنة"وذلك في عام الرمادة إذ حل بالمسلمين الجدب والقحط فقضهم الجوع قضا حتى إن بعضهم قد سرق لفرط الجوع فلم يقم عليهم عمر الحد - وذلك ما لا خلاف فيه 89.
ومنها: لو سرق ضيف من مضيفه - فإنه ينظر، إن كان سرق منه من غير حرز فلا قطع عليه، لأنه مأذون له بالدخول - ونفس الإذن يجعله الشرع شبهة تدرأ الحد - لكنه إذا سرق من حرز في داخل الدار وجب قطعه، لأنه غير مأذون له بالدخول في الحرز - وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة - بخلاف الإمام مالك فلا يجب عنده القطع حتى لو كسر الحرز وسرق منه المتاع، لأنه مأذون له بدخول الدار - ومجرد الإذن بدخول الدار شبهة تمنع الحد 90.
ومنها: لو سرق من أصله وإن علا، أو من فرعه وإن نزل - كأن يسرق من أبيه أو جده، أو يسرق من ولده أو ولد ولده، فلا حد عليه - وهو قول الجمهور من العلماء، وفيهم الحنفية والشافعية والحنابلة - أما المالكية فقالوا بعدم قطع الأصل بسرقة الفرع، لكن الفرع إذا سرق من مال الأصل وجب قطعه وهو قول الشيعة الإمامية وابن المنذر وأبي ثور 91.
على أن إجماعهم على عدم قطع الأب بسرقة ولده يؤيده ما رواه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصم أباه فقال: يا رسول الله! إن هذا قد اجتاح مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنت ومالك لأبيك".
وأخرج ابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم".
أما عدم قطع الابن بسرقة مال أبيه، فوجهه أن النفقة تجب في مال الأب لابنه حفظا له من التلف فلا يجوز إتلافه حفظا للمال.
ومنها: لو نقب أحد السارقين وحده بيتا، ثم دخل الآخر البيت وحده، فأخرج من المتاع المسروق فلا قطع على الاثنين، لأن الأول الذي نقب البيت لم يسرق بل نقب الحرز (البيت) فقط - أما الثاني فلم يهتك الحرز (البيت) بل سرق من حرز مهتوك هتكه غيره - فهو كما لو نقب رجلا بيتا ولم يدخله وذهب ثم جاء آخر فوجد البيت مهتوكا - فسرق منه فلا قطع على واحد منهما 92.
ومنها: لو دخل حرزا وأخذ متاعا فحمله أو لم يحمله ثم مسك قبل أن يخرج من الحرز فلا قطع عليه - ولو رمى المتاع خارج الحرز ثم مسك قبل أن يخرج منه فلا قطع عليه أيضا، لأن يده لم تثبت على المأخوذ في الحالتين - فلا الأخذ لا يتم بإخراج المسروق من الحرز - وهو قول الحنفية 93.