على أن شرط الإحراز عظيم الأهمية للغاية - ذلك أن المال المحرز محفوظ في مكانه المناسب المحصن بما لا يستطيع معه السارقون ومرضى النفوس أن ينفذوا إليه.
فإنهم يعوزهم الاقتدار على أخذه ما دام مخبوءا في موضعه الحصين - وذلك بخلاف غير المحرز فإنه مال في حكم المسيب الذي يصير عرضه لسطو اللصوص - بل إن كونه مسيبا وغير محرز فيه من الإغواء للسارقين ما يثيرهم ويغريهم بالنفاذ إليه لأخذه - وبذلك فإن صاحب المال غير المحرز ملوم لتقصيره وتفريطه إذ جعل ماله عرضة للسرقة - ومن بالغ العدل المطلق في شريعة الإسلام أن يكون لسارق المال من غير حرز بعض العذر ليندرئ عنه الحد.
وذلك بخلاف المال الذي يكون في حرز حصين مكين فإنه يصير بعيد المنال عن السارقين واللصوص لاستحالة بلوغه أو صعوبة الحصول عليه إلا بتحطيم الحرز وإتلافه.
فهو - في هذه الحال - لا ينفذ إليه إلا من كان حاذقا بارعا في الخيانة واللصوصية - أو كان على غاية من الاجتراء المتوقح الذي يستوجب العقاب الصارم وهو القطع.
واشتراط الحرز لوجوب القطع قال به عامة أهل العلم خلافا لأهل الظاهر وآخرين: إذا احتجوا بظاهر آية السرقة على وجوب القطع في كل سرقة كيفما كانت ومهما كان حجمها، محرزة وغير محرزة - والصحيح الأول وهو اعتبار الحرز لإيقاع الحد 84 ويستدل على ذلك بما أخرجه البيهقي عن عثمان بن عفان قوله:"ليس على سارق قطع حتى يخرج المتاع من البيت"وكذلك روى البيهقي عن ابن أبي حسين المكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة 85 جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن"والتفصيل بأكثر من ذلك في مسألة الحرز يطلب من مظانه في كتب الفقه.
الشرط الخامس: أن تكون ثمة دعوى أو خصومة يقيمها صاحب المال المسروق ليطالب الحاكم أو القاضي بتضمين المتهم بالسرقة - فإذا ما استبان للحاكم اقتراف السرقة تماما وبشروطها المعروفة أقام الحد على السارق - وبذلك لو اعترف الجاني بالسرقة أو قامت عليه بينة بحصول السرقة منه فلا يقطع، إلا أن يأتي صاحب المال يباح بالبذل والإباحة - ومن المحتمل أن صاحب المال قد أباحه لآخذه وهو المتهم بالسرقة - أو أن يكون وقفه على المسلمين وهو واحد منهم أو أنه أذن له في دخول حرزه - ومثل هاتيك الاحتمالات تفضي إلى تحصيل الشبهة التي يدرأ بها الحد.
وبذلك لا يقام الحد على السارق إلا عقب المطالبة من صاحب المال 86.
الشرط السادس: انعدام الشبهة - والشبهة في اللغة من الاشتباه وهو الالتباس - نقول تشابها واشتبها أي أشبه كل واحد منهما الآخر فالتبسا - وأمور مشتبهة ومشبهة أي مشكلة - وشبه عليه الأمر تشبيها أي لبس عليه - فالشبهة تعني الالتباس 87.
والشبهة في الحدود ما كان من انخرام أو نقص في شروط الجناية الموجبة للحد بما يجعل هذه الجناية لا تكافئ العقوبة المقدرة في الشرع.
وهنا السرقة، فأيما انخرام أو نقص في شروطها يجعله الشرع شبهة تهبط بمستوى السرقة لتكون دون الجناية الموجبة للقطع - ذلك أن القصور في درجة الجناية قمين بدفع الحد كيلا يقع على الجاني، لأن جنايته بحصول الشبهة كانت دون الجناية الكاملة المكافئة لعقوبة القطع.
وجدير ذكره هنا أن الإسلام قد حرض تحريضا على التماس الشبهات لدرء الحدود عن الجناة ما أمكن - والتصور الإسلامي في ذلك أن الخطأ في إيقاف العقوبة خير من إيقاع العقوبة ظلما عند حصول الشبهة.