فهرس الكتاب

الصفحة 1140 من 2536

قوله تعالى: {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون 36 واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون 37 ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون 38 فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم} {نوح} ، اسم منصوف؛ لأنه خفيف، وإن كان فيه العجمية والتعريف، وقيل: منصرف لأنه عربي من ناح ينوح - و {من} : في موضع رفع؛ لأنه فاعل يؤمن 42 بعد أن استيأس نوح من قومه لفرط ما وجده من شدة كيدهم وعتوهم وتماديهم في الجحود والباطل خلال قرون طوال، وأيقن أن هؤلاء قوم بور فلا خير فيهم البتة، دعا عليهم بالهلاك والتدمير حتى لا يبقى منهم ساكن ولا ديار، فحق القول عليهم من الله بالانتقام والاستئصال، وأوحي الله إلى نبيه نوح أنه لن يؤمن من وقومه أحد غير الذين آمنوا وصدقوا {فلا تبتئس بما كانوا يفعلون} {تبتئس} ، أي تحزن، والمبتئس: الكاره الحزين، والبأساء بمعنى الشدة 43 أي لا تحزن يا نوح ولا تشتك مما فعله قومك من تكذيبك وشدة إيذائهم لك؛ فقد حان وقت فنائهم والانتقام منهم أشد انتقام.

قوله: {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} أوحي الله إلى نوح أن يصنع الفلك وهي السفينة {بأعيننا} أي بحفظنا وكلاءتنا وبمرأى منا {ووحينا} أي نلهمك كيف تصنع السفينة - قال ابن عباس (رضي الله عنهما) ك لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحي الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطير.

وبذلك قد بصر الله نوحا بكيفية صنع السفينة لتطفوا على وجه الماء وهي تسير بعون الله ورعايته فينجو من على ظهرها من المؤمنين وغيرهم من بقية الأجناس.

قوله: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} أي لا تطلب العفو مني عن هؤلاء الظالمين المكذبين؛ أو لا تطلب إمهالهم؛ فقد حق عليهم القول من الله بإغراقهم.

قوله: {ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه} أي طفق نوح يصنع السفينة كما أمره الله وعرفه بكيفية صنعها، وكان كلما مر عليه جماعة من قومه المجرمين الجاحدين وهو يصنع السفينة استهزءوا به ومن عمله في صنع السفينة التي لم يشاهدوا قبلها سفينة أخرى، فعجبوا ساخرين مما سمعوه عن هذا المصنوع الذي سوف يطفوا على سطح الماء - فكانوا بذلك يتضاحكون ويستسخرون لما رأوه ويقولون لنوح: أتحولت نجارا بعد أن كنت نبيا؟ وكان نوح يرد عليهم وهو ثابت العزم، مطمئن القلب، واثق من أمر ربه ومن نصره الذي يصير إليه المؤمنون المخلصون الصابرون {إن تخسروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون} أي إن تهزءوا بنا من أجل بناء السفينة، فلسوف نهزأ بكم مستقبلا وأنتم يأتي عليكم الطوفان والغرق.

قوله: {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يجزيه ويحل عليه عذاب مقيم} ذلك تهديد لهؤلاء المشركين الخاسرين، ووعيد لهم بأنهم سوف يعلمون الذي يأتيه العذاب الأليم في الدنيا وهو الطوفان - ويجوز أن تكون {من} استفهامية؛ أي سوف تعلمون من هو الذي يأتيه العذاب الأليم في الدنيا وهو الغرق، وينزل به عذاب {مقيم} أي مستديم ولا ينقطع - وذلك عذاب النار يوم القيامة 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت