جاء أبيّ بن خلف وفي يده عظم رميم وهو يفُتّهُ ويذروه في الهواء ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما رمّ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعم ويبعثك ويدخلك جهنم"فنزلت الآية {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ} أي من ماء قليل مستقذر خارج من الإحليل وهو قناة النجاسة {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} أي فإذا هو ظاهر الخصومة بالرغم من مهانة أصله وقذارة أوله، ويجترئ على الجحود وإنكار البعث وإحياء الموتى بعد أن صاروا رفاتا، وقد أتى عليهم البلى وهو قوله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} .
{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} المراد بالمثل المضروب، تفتيت العظام - فقد فتّه بيده وذَراهُ في الهواء مستنكرا مكذبا وقد نسي أن خَلْقَهُ من ماء مهين مستقذر لهو أشدُّ هوانا من العظام النَّخِرة البالية، وهو يسأل {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} الرميم، اسم لما بَلِيَ من العظام؛ أي يسأل الإنسان الجاحد في تكذيب واستسخار: من ذا الذي يحيي هذه العظام بعد أن رمَّت وصارت رفاتا.
قوله: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} الذي يرد الناس أحياء بعد أن ينشر فيهم أرواحهم فيجمعهم ليوم الحساب، لهو الله جلت قدرته؛ فإنه خالق قاهر مقتدر لا يعز عليه فعل أي شيء - وهو من صفاته البالغة والخَلْق المطلق، فهو الذي بدأ خلْق الإنسان من طين ثم خلق نسله من ماء مستقذر مستهجن، فهو بكماله وبالغ اقتداره لا يستعصي عليه أن يعيد الإنسان حيا مكتملا بعد أن صار رميما مختلطا بالتراب.
قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} الله يعلم تفاصيل المخلوقات، ويعلم أجزاءها المتفتتة المبعثرة في ذرات الثرى، ويعلم كيفية خلقها من جديد.
قوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا} خلق الله الشجر وجعله خضرا ذا نُضْرة وينْعٍ ثم يصير حطبا يابسا توقد به النار - إن هذه الصفة الكامنة في الشجر طبيعة مقدورة فيه، وهي من صنع الله وقدرته، إذْ خلقَ الأشياءَ وما يُجلِّيها من صفات - والصفة المقصودة هنا هي الاشتغال والتوقد أو الاحتراق - وهذه ظاهرة من ظواهر الطبيعة تتجلى فيها قدرة الصانع الحكيم.
وقيل: المراد بذلك شجر المرْخ 48 والعفار 49، ينبت في أرض الحجاز فيأتي من أراد قدح نار وليس معه نار فيأخذ منه عودين مثل السِّواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيَسْحَقُ أحدهما الآخر فتتولد النار من بينهما بإذن الله - فمن قدر على جمع الماء والنار في الشجر قادر على إحياء الموتى وبعثهم من جديد.
قوله تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .