وأخيرا وليس آخر هذه النكبة المريعة المزلزلة للذهن والحس والأعصاب والتي حلّت بفلسطين وشعبها المغلوب على أمره، هذا الشعب الذي لاقى من التآمر والجريمة والعدوان ما لا يخطر ببال وما ليس له نظير في تاريخ البشرية - وهي معضلة قد تألبت على حبكها وتنفيذها قوى العدوان في أوربا وأمريكا مسخرة للصهيونيين الماكرين الحاقدين - كان ذلك يوم أن تآمرت دولة الإنجليز المستعمرين في خسة ووقاحة مع الصهاينة في الظلام لتشريد المسلمين من فلسطين إلى أن تم ذلك بجهد كثيف من دولة الدنس والدولار-أمريكا- بالموافقة والإقرار من السوفييت دولة الشيوعية والإلحاد والقهر وخنق الحريات يوم أن بادرت بالاعتراف فورا بدولة بني صهيون في فلسطين.
كل هذه الويلات والمصائب تهتف بالمسلمين أن يتّحدوا جميعا كيما تجمعهم دولة واحدة هي دولة الإسلام ليمدوا بعدها يد العون والنصرة لإخوانهم في العقيدة من الذين يصطلون بنار التعذيب على أيدي الحاقدين الذين يكرهون أشد ما يكرهون عقيدة الإسلام والمسلمين.
قوله: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا) .
يحدد الله في هذه الآية سبيلين اثنين متقابلين يفضي أحدهما إلى الشر والباطل بينما يفضي الآخر إلى الخير والحق - وذلك تحديد من الله للمسلمين من أجل أن تتضح أمامهم الرؤية فيمضوا على الطريق في وضوح وهداية من غير تعثر أو خبط - والخط الفاصل الذي يفرق بين المسلمين والمشركين، أن المسلمين يقاتلون في سبيل الله فهم بذلك على الحق في كفاحهم ومسعاهم وهم يسيرون على طريق السلامة والإسلام في ثقة ويقين وتثبّت إلى أن يكتب الله لهم النصر أو أن يبتليهم لحكمة يعلمها هو - أما المشركون فإنهم على الباطل والضلالة من أول يوم فهم إنما يقاتلون من أجل الطاغوت وهو الشيطان مصدر الإطغاء والغواية.
إن المشركين لا يحاربون إلا لمقاصد غاية في الفساد والتنكب عن الصواب أو هي من أجل الشر والباطل حرصا على الشهوة الرخيصة أو الهوى الجامح الذي لا يعبأ بالخير ولا يزن الأمور إلا بميزان الغريزة المتأججة العمياء.
بعد هذا التمييز الذي يفصل بين سبيلين لتتضح الرؤية أمام المسلمين فيقاتلوا عن قناعة وتثبت، يحرّض الله عباده المؤمنين على مقاتلة الكفرة أولياء الشيطان أي أعوانه وأتباعه - ولا جرم أن يتمثل الشيطان في جماع الرذيلة والفساد والشر، وتلك معان نكراء يقاتل من أجلها أولياء الشيطان.
ثم يأتي التعقيب المناسب ليجعل للمسلمين سبب الطمأنينة ترتكز في قلوبهم ليقاتلوا بشجاعة وثقة بالله في النصر وذلك بأن (كيد الشيطان كان ضعيفا) - والكيد هو المكر والتحيّل والتدبير - وحقيقة الضعف في كيد الشيطان قائمة لا ريب فيها لو عرف المسلمون قدر عقيدتهم فوعوا حقيقة الإسلام ومعانيه في تزكية النفوس وترقيتها لتكون كبيرة مستعلية على الدون من سقط الاهتمامات وسفاسف الحضارات البائسة التعسة التي تتراءى للمخدوعين والمشدوهين فاتنة براقة وهي في حقيقة مضمونها ليست على كل شيء إلا التفكك والمرض والخلخلة - تلك حقيقة ينبغي أن يقف عليها المسلمون ليعاودوا الثقة بأنفسهم وهم يراجعون الحساب مع هذا الذين الذي يأخذ بهم إلى ذروة المجد والقوة والاستعلاء والخير.