فهرس الكتاب
قوله: (لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم) لكل واحد من هؤلاء المفترين على عائشة من الجزاء بقدر ما خاض فيه أو اجترم.
قوله: (والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) (كبره) بكسر الكاف، ومعناه معظم الإثم والإفك - والمراد بذلك موضع خلاف - فقد قيل: إنه حسان بن ثابت ولعل العذاب العظيم الذي توعده الله به ذهاب بصره - وقيل: المراد عبد الله بن أبي سلول؛ فهو الذي ابتدأ الإفك، وكان يجمع القائلين بهذه الفرية في بيته ويحدثهم بمقالة الإفك - فقد أوعده الله جزاء إفكه عذابا عظيما وهي النار.
وقد اختلفوا هل حد النبي (ص) أصحاب الإفك؟ ثمة قولان في ذلك - أحدهما: أنه لم يحدّ أحدا من أصحاب الإفك - وثانيهما: أنه حد أهل الإفك عبد الله بن أبي ومسطح حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش - والمشهور أن الذي حُدّ، حسان ومسطح وحمنة - أما عبد الله فلم يحد ليلقى جزاءه في النار في مقابلة ما اجترم من الإفك - أما الذين حدهم فيكما يكون حدهم كفارة لهم عما اقترفوه من الإفك 24.
قوله تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين (12) لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون (13) } ذلك تأديب وعتاب من الله للمؤمنين حين أفاض الناس في قصة الإفك بما لا ينبغي أن يصدر عنهم وهم الذين آمنوا بالله ورسوله وأيقنوا بعصمة نبيهم (ص) وما يقتضيه ذلك من طهر بيته المصون - ما كان ينبغي لهم- وهم المؤمنون المصدقون- أن يستمعوا مجرد استماع لمثل هذا الافتراء الظالم دون أن يفنّدوه ويدحضوه دحضا ويستنكروه أيما استنكار - فقال سبحانه: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا) أي هلا، حين سمعتم مقالة الإفك وفداحة الكذب والافتراء على أم المؤمنين - أن تقيسوا ذلك على أنفسكم، فإن كان ذلك لا يليق بكم ولا يصدر عنكم ولا يُتصور حصوله منكم فلا جرم أن يكون حصوله عن الحرم المصون أشد بعدا - وقد ذكر في ذلك أن أبا أيوب الأنصاري دخل يوما على امرأته فقالت له: يا أبا أيوب، أسمعت ما قيل؟! فقال: نعم! وذلك الكذب! أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك؟! قالت: لا والله: قال: فعائشة والله أفضل منكِ - قالت أم أيوب: نعم.
ذلك الذي ينبغي أن يتجلى في خلق المسلمين وسلوكهم ليكونوا أبعد الناس عن طيش التفكير وثرثرة اللسان في خفة ورعونة - المسلمون الحقيقيون أجد أن لا تسخفهم فئة مندسّة من المارقين والمنافقين الماكرين فيرددوا مقالات فحشهم في حماقة وعجل - والأهم من ذلك كله أن يثق المسلم بشرف إخوانه وصدقهم وبراءتهم مما ينسب إليهم من بذاءات الكلام الخسيس - فما يسمع المسلم عن إخوانه كلمة الفحش أو السوء حتى يبادر في عجل لدفعها وتكذيبها والذبّ عن إخوانه ما استطاع إلى ذلك سبيلا.