فهرس الكتاب
قوله: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) (عصبة) مرفوع على أنه خبر (إن) 21 والعصبة من الرجال نحو العشرة - وقيل: من العشرة إلى الأربعين - والعصابة بالكسر: الجماعة من الناس 22 والإفك: معناه الكذب - والأفاك، الكذاب 23 والمراد بالإفك هنا: أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء - وهو القلب؛ أي الحديث المقلوب؛ فقد افترى الأفاكون على السيدة عائشة كذبا وقلبا للحقيقة - والمعروف من حال السيدة عائشة، هذه المرأة الزكية المصون، خلاف ما زعموه واصطنعوه من الباطل؛ فهي زوجة الرسول (ص) ، وهو معصوم من كل سوء أو خطيئة أو دنس - والمراد بالعصبة، الجماعة من القاذفين المبطلين وكانوا من المنافقين وأتباعهم - وكان طليعة هؤلاء في النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول - فقد كان رأسا من رؤوس النفاق في زمن النبوة وقد ركب رأسه وتولى كبره وهو يعيث بين الناس تشويشا وتوهيما وإشاعة للفتنة والريبة.
قوله: (لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم) الضمير في (تحسبوه) عائد على من ساءه ذلك من المؤمنين وخاصة رسول الله (ص) وأبي بكر وعائشة وصفوان ابن المعطل (رضي الله عنهم) والمراد بكون ذلك خيرا لا شرا أنهم اكتسبوا بما أصابهم ثوابا عظيما وذكرا حميدا إلى يوم الدين؛ فقد أصابهم بلاء كبير ومحنة ظاهرة مما لمزهم به المنافقون من بهتان وفحش الكلام - فأنزل الله في شأنهم هذه القصة وفيها عدة آيات، كل واحدة منها مستقلة بما فيه تعظيم لشأن رسول الله (ص) وتكريم له ولزوجه أم المؤمنين رضوان الله عليها وتنزيهه لها مما رماها به المنافقون وأتباعهم من الدنس - إلى غير ذلك من تهويل لمن تكلم في هذه القصة أو سمع بها فلم يألم ولم يغضب ولم تثره فيه ثائرة الحماسة والغيرة على أهل بيت رسول الله (ص) وزوجته الفاضلة الطهور - ثم صفوان بن المعطل الصحابي التقي الجليل الذي نالته ألسنة المتقولين بالسوء - وقد كان صفوان صاحب ساقة رسول الله (ص) في غزواته لشجاعته - وكان من خيار الصحابة (رضي الله عنه) وقد قتل شهيدا في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمان عمر - وخلاصة القصة في أمر صفوان أنه لما خرج رسول الله (ص) بعائشة معه في غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع، وقفل ودنا من المدينة قافلا، آذن ليلة بالرحيل فقامت عائشة حين أذنوا بالرحيل فمشت حتى جاوزت الجيش، فلما قضت شأنها أقبلت إلى رحلها فلمست صدرها فإذا عقد من خرز قد انقطع فرجعت تلتمسه فحبسها ابتغاؤه، فوجدته ثم انصرفت فلم تجد أحدا - فلما لم تجد أحدا اضطجعت في مكانها رجاء أن تُفتقد فيرجع إليه فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل: إنا لله وإنا إليه راجعون - وذلك أنه كان تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة - فنزل عن ناقته وتنحّى عنها حتى ركبت عائشة وأخذ يقودها حتى بلغ الجيش في نحر الظهيرة - فوقع أهل الإفك فيما افتروه من باطل وبهتان - وكان أشدهم في ذلك وأنكاهم عبد الله بن أبي ابن سلول، كبير المنافقين في المدينة - فهو الذي رأى صفوان آخذا بزمام ناقة عائشة فقال فريته الظالمة: والله ما نجت منه ولا نجا منها - وكان من قالة السوء في قصة عائشة حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش.
فيا ويح هؤلاء أنى لهم أن يتقوّلوا على أقدس بيت في العالمين بالسوء من فُحش القول الأثيم، وقد علموا رسولهم الأكرم عصمته وصونه في كرامته المثلى وشرفه المبجل الأجل - وليت شعري هل أظلت السماء كريما رفيعا بالغا في طهر السيرة وشرف البيت والحمى مثل رسول الله محمد (ص) .