قوله: (وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) الله الذي جعلكم أحياء في أحسن ما تكون عليه الصورة والهيئة بعد أن لم تكونوا شيئا يذكر؛ إذ كنتم نطفا من الماء المستقذر المهين، حتى إذا انقضت آجالكم في الدنيا أماتكم (ثم يحييكم) وذلك يوم القيامة حيث الحساب والجزاء.
قوله: (إن الإنسان لكفور) أي شديد الجحود لنعم الله الكثيرة، أو أنه جحود للآيات الظاهرة الدالة على عظمة الله ووحدانيته - على أن المراد بصيغة العموم هنا المبالغة في حقيقة الجحود من الإنسان؛ فإن الغالب في الإنسان جُحود النعم التي امتن الله بها عليه - أو جحود الدلائل والبراهين والشواهد التي تقتضي الإذعان لله بالطاعة والامتثال 77.
قوله تعالى: {لكل أمة جعلنا منسكاهم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم (67) وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69) } المنسك يراد به الشريعة - وقيل: المكان الذي تؤدى فيه الطاعات والعبادات، والمعنى الأول أظهر - والمعنى: أن الله قد وضع لكل أمة من الأمم شرعا يلائم حياتهم وتصلح عليهم أحوالهم (هم ناسكوه) أي عاملون به - وذلك كجعل التوراة منسكا لأمة موسى - وجعل الإنجيل منسكا لأمة عيسى حتى بعثه رسول الله محمد (ص) - وجعل القرآن منسكا لهذه الأمة ليكون للعالمين منهاجا دوام الدهر حتى تقوم الساعة؛ فإن شريعة القرآن يترسخ فيها من المزايا والحقائق والخصائص ما يجعلها صالحة للبشرية في كل زمان ومكان.
قوله: (فلا ينازعنك في الأمر) أي ليس لهم أن يخالفوك فيما شرع الله لك من دين ومنهاج؛ فقد استقر الآمر الآن على شرعك وهو الإسلام، وعلى أنه ناسخ لما عداه من شرع إلا ما يحتمل النسخ مما تلاقت عليه الأديان واتفقت عليه كلمة النبيين جميعا.
قوله: (وادع إلى ربك) أي ادع الناس إلى دين الله - دين الحق والهداية والتوحيد.
قوله: (إنك لعلى هدى مستقيم) أي على طريق مستقيم لا عوج فيه.
قوله: {وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون} أي إن خاصمك المشركون بعد ظهور الحق ولزوم الحجة فقل لهم: إن الله يعلم تكذيبكم وجحودكم، ويعلم ما تريدون بهذه المنازعة وهذا الخصام -
وذلك على سبيل التهديد لهم والوعيد.
قوله: {الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون} الله يقضي بين المؤمنين
والكافرين يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من أمر هذا الدين
وحينئذ يعلمون المحق من المبطل.
قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على لله يسير (70) } إنك تعلم يا محمد وتوقن أن الله عنده علم كل شيء، وأنه يعلم أخبار السماوات والأرض وما فيهن، وأن كل هذه الأخبار والأسرار والعلوم مسطور (في كتاب) وهو اللوح المحفوظ قوله: (إن ذلك على الله يسير) أي العلم بهذه الأخبار والعلوم هين ويسير على الله 78.