قول تعالى: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولدهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون} الكاف في محل نصب صفة للمصدر - والتقدير: مثل ذلك التزيين الذي زينه الشيطان للمشركين في قسمة أموالهم بين الله وبين شركائهم، زين لهم قتل أولادهم شركاؤهم - وشركاؤهم هنا فاعل - والمراد بشركائهم هنا الشياطين - وقيل: الغواة من الناس - وكلهم في بشاعة الأفاعيل وفظاعة النكر شياطين يضلون الناس عن سواء السبيل - والمعنى: أنه مثلما زينت الشياطين لهؤلاء المشركين السفهاء أن يجعلوا لله مما خلق من الحرث والأنعام نصيبا، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق (الفقر) وكذلك زينوا لهم وأد البنات خوفا من العار - فقد أمرتهم شياطينهم من الجن والإنس أن يئدوا البنات ويقتلوا الأولاد مخافة العار والعيلة: لا جرم أن ذلك ضلال فاضح وتصورهم سقيم وجهول كان يراود حلوم أولئك الواهمين الضالين فيسول لهم شيطان الجن والإنس قتل أولادهم سواء كانوا ذكورا أو إناثا لذرائع كاذبة خاطئة متهافتة ما أنزل الله بها من سلطان.
قوله: {ليردوهم} اللام للتعليل أي ليهلكوهم - من التردية بمعنى الإهلاك - رديته تردية - ومنه أرداه يرديه أي يهلكه 170 والمراد إهلاكهم بالإغواء والتضليل.
قوله: {وليلبسوا عليهم دينهم} من اللبس وهو الخلط، والتلبيس وهو التخليط - التبس عليه الأمر أي اختلط واشتبه 171 والمعنى أن الشياطين قد خلطوا على المشركين دينهم - وهو دين إسماعيل القائم على التوحيد - فالتبس عليهم التباسا - لقد خلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين اسماعيل حتى انحرفوا عنه البتة إلى الشرك بكل ما فيه من خرافات وترهات ومفاسد وأباطيل، ومن جملتها جعلهم لله نصيبا مما خلق فضلا عن وأد البنات وقتل الأولاد.
قوله: {ولو شاء الله ما فعلوه} لو شاء الله أن لا يفعل المشركون ما فعلوه لما فعلوا، لأنه ما من شيء إلا هو مندرج في ملكوت الله وسلطانه فلا يند عن تقديره ومشيئته شيء - وما يكون من طاعة ولا معصية ولا غير ذلك من فعل إلا وهو تحيط به إرادة الله المطلقة.
قوله: {فذرهم وما يفترون} أي دعهم واجتنبهم وما هم فيه من الافتراء والباطل ولا تعبأ بهم وبما يخرصون - وفي ذلك من الوعيد للمشركين ما لا يخفى 172.
قوله تعالى: {وقالوا هذه أنعم وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعم حرمت ظهورها وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون} .
وهذا لون آخر من ألوان الكفر وصورة أخرى من صور الجهالة والضلالة قد ارتكس فيهما المشركون الجاهليون أشنع ارتكاس - إذ قالوا: {هذه أنعم وحرث حجر} أي أنعام وزرع {حجر} والحجر، بالكسر معناه الحرام والمنع 173 فقد حرموا أنعاما وجعلوها لأصنامهم - فهي ممنوع منها كل أحد غير آلهتهم الأصنام - وقالوا أيضا: {لا يطعمها إلا من نشاء} أي نحتجرها عن النساء ونجعلها للرجال - وقيل: احتجروها لخدم الأصنام - لا جرم أن ذلك تحكم وباطل لم يرد به شرع ولم يأمر به الله - وهو قوله: {بزعمهم} أي بظنهم المشوب بالكذب والذي لا تسعفه حجة أو برهان.