فهرس الكتاب

الصفحة 653 من 2536

ومنها وهو الذي نختاره ونرى أنه الصحيح: أن قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون} تأويله أن من جحد ما أنزل الله فقد كفر - ومن أقر بما أنزل الله فهو ظالم فاسق وليس كافرا - فالمعنى يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه - أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله كذلك، لكنه أتى بما يخالفه فهو حاكم بما أنزل الله إلا أنه تارك له - فلا يلزم دخوله في زمرة الكافرين بل الفاسقين الظالمين - وبعبارة أخرى فإن المصدق لشريعة الله المقر بها إقرارا والمستيقن أنها من عند الله، وأنها صالحة للناس لكنه عمل بخلافها فهو ليس كافرا ولكنه مندرج في أفواج الفاسقين الخارجين عن منهج الله - أو الظالمين الذين بدلوا شريعة الله ليحلوا مكانها شريعة غيرها - لا جرم أن أولئك عصاة خاطئون وإن كانوا غير كافرين.

قال ابن عباس: في الآية إضمار - أي ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر.

قال ابن مسعود والحسن في ذلك: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له - فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له 111.

45 - (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)

قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} .

فرض الله على بني إسرائيل في التوراة أن يسووا في النفس والنفس، لكنهم خالفوا ذلك عمدا وعنادا فغيروه وبدلوه ففضلوا بني النضير على بني قريظة، وخصصوا إيجاب القود على بني قريظة دون بني النضير، فكانوا لا يقيدون القرظي من النضري بل يعدلون إلى الدية، مثلما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن، إذ عدلوا عنه إلى الجلد والتحميم والإشهار - من أجل ذلك جاء قوله {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} توبيخا لهم وتقريعا، لكونهم يخالفون ما كتبه الله عليهم في التوراة.

وقد اختلف العلماء في شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟

وثمة قولان في هذه المسألة:

القول الأول: إننا متعبدون بشرع من قبلنا ما لم يظهر ما ينسخه - وقد ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية وبعض الشافعية، أحمد في إحدى الروايتين عنه - وقالت به طائفة من المتكلمين - وهو قول الفقهاء - واختاره الرازي وابن الحاجب - وقال به معظم المالكية 112.

واحتجوا في ذلك بعدة أدلة منها قوله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} والنبي صلى الله عليه وسلم من جملة النبيين فوجب في حقه الحكم بها.

وكذلك قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} فقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يقتدي بهدي من سبقه من النبيين - وشرعهم من هداهم فوجب عليه اتباعه.

ومنها قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} فدل على وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم لشريعة نوح ومنها قوله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم} فقد أمر باتباع ملة إبراهيم والأمر للوجوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت