واحتجوا من السنة بأدلة منها ما أخرجه مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"وتلا قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} وهذا خطاب مع موسى عليه السلام - ولو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته متعبدين بما كان موسى متعبدا به في دينه لما صح الاستدلال بالآية.
القول الثاني: إن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا - وهو قول المعتزلة والمتكلمين وأكثر الشافعية، وأحمد في الرواية الثانية عنه، واختاره الآمدي والغزالي - واستدلوا على ذلك بعدة أدلة منها: قوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} وهذا يدل على أن كل واحد من النبيين ينفرد بشرع لا يشاركه فيه غيره - وأجيب عن ذلك بأن مشاركتهم في بعض الأحكام لا يمنع من أن يكون لكل واحد منهم شرع يخالف شرع الآخر، فمشاركتهم في التوحيد لا تمنع انفراد كل واحد منهم بشريعة تخالف شريعة غيره.
ومنها: ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي عمر رضي الله عنه ومعه شيء من التوراة ينظر فيه فقال:"لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي"113 وهذا يدل على نسخ ما تقدم.
وأجيب عن ذلك بأنه إنما نهي عن النظر في التوراة لما أصابها من تغيير وتبديل - لكن المراد هنا ما حكى الله عن دينهم في الكتاب أو ثبت عنهم بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم 114.
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قاضيا له:"بم تحكم"؟ قال: بكتاب الله - قال:"فإن لم تجد"قال:"بسنة رسول الله"قال ""فإن لم تجد"قال: " أجتهد رأيي - ولم يذكر شيئا من كتب الأنبياء الأولين وسننهم - وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال:"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله"- ولو كانت الشرائع السابقة شرائع لنا لما جاز لمعاذ العدول إلى اجتهاد الرأي.
وأجيب عن ذلك بأن معاذا لم يتعرض لذكر التوراة والإنجيل اكتفاء منه بآيات في الكتاب الحكيم تدل على اتباعهما - ولأن اسم الكتاب يدخل تحته التوراة والإنجيل لكونهما من الكتب المنزلة 115.
أما أحكام القصاص المختلفة في النفس فقد بيناها في تفسير سورة البقرة عند قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} ولا داعي بعد ذلك للتكرار هنا - لكننا نعرض هنا للكلام عن القصاص في الأطراف أو فيما دون النفس وما يتفرع عن ذلك من أحكام - والأصل في ذلك قوله تعالى: {والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} هذه تدل على جريان القصاص فيما ذكر إلا أن يعفو المجني عليه مطلقا أو على الدية - وذلكم بيان تفصيلي بأحكام الجناية على ما ذكر في الآية - على أننا نعرض لجملة شروط يجب تحققها كيما يجوز القصاص في الأطراف أو فيما دون النفس - وتلكم هي الشروط بإيجاز واقتضاب.
الشرط الأول: التكليف في حق الجاني - فإن كان غير مكلف فلا قصاص عليه - وكونه مكلفا أن يكون بالغا عاقلا.
الشرط الثاني: أن يكون الجاني غير أصل للمجني عليه، كأن يكون أباه أو جده.
الشرط الثالث: العصمة - وهي أن يكون المجني عليه معصوما على التأييد - وبذلك لا يقطع المسلم بالحربي أو المستأمن لعدم العصمة المؤبدة.
الشرط الرابع: أن تكون الجناية عمدا عدوانا - فلا قصاص في الخطأ إجماعا.
وكذلك شبه العمد.