الشرط الخامس: أن يكون الاستيفاء ممكنا ومن غير حيف - وذلك بالمماثلة الكاملة دون نقص أو زيادة لقوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ويضاف إلى ذلك عدم السراية إلى النفس غالبا - وذلك ككسر العنق والترقوة والصلب والفخذ - فإن القصاص في مثل هذه الأعضاء لا تؤمن معه السراية إلى النفس غالبا 116.
أما الأطراف فهي مفردها طرف بالفتح - ويعني في اللغة الناحية - وعند الفقهاء ما له حد ينتهي إليه من أعضاء الجسد 117 وذلك كاليد والرجل والسن والأذن والأصابع وغير ذلك مما ينتهي إلى حد كالمفصل - فإن كان كذلك جاز فيه القصاص لإمكان حصوله من غير حيف - أما إن كان مما لا ينتهي إلى حد فلا يجوز إيقاع القصاص فيه لعدم استيفاء القصاص في مماثلة تامة ومن غير حيف بما يحتمل معه حصول النقص أو الزيادة.
ويضاف إلى هذا الاشتراط الأساسي لإجراء القصاص في الأطراف شرطان آخران هما:
أولا: التساوي - أي أن يكون الطرف في المجني عليه مساويا لنظيره في الجاني، وبذلك لا يؤخذ طرف صحيح بطرف أشل - ولا يد كاملة الأصابع بناقصة الأصابع، ولا تؤخذ أصبع أصلية بأخرى زائدة.
ثانيا: الاشتراك في الاسم الخاص بالعضو أو الطرف - فلا تؤخذ يمين بيسار - ولا يسار بيمين - وكذلك لا تؤخذ أصبع بأخرى مخافة لها، كالخنصر بالسبابة، أو البنصر بالوسطى - ولا تؤخذ شفة سفلى بشفة عليا، ولا جفن أيمن بجفن أيسر، أو أذن يمنى بأذن يسرى، لأن كل واحد مما ذكر مختص باسم منفرد 118.
إذا تبين ذلك، نأخذ في الكلام عن الأطراف المذكورة في الآية وهي:
العين: وهي طرف من الأطراف التي تنتهي إلى مفصل فيجري فيها القصاص مع اعتبار الشرطين المذكورين آنفا وهما التساوي والاشتراك في الاسم - ولا ينبغي اعتبار صفة العين كالصغر والكبر، أو الضعف والقوة، أو الحسن والقبح، فمثل هذه الصفات لا يؤثر في إجراء القصاص - وعلى هذا تؤخذ عين الشاب بعين الشيخ - أو العين السليمة بالعين المريضة - أو العين الحسنة بالعين القبيحة.
الأنف: يؤخذ الأنف قصاصا بالأنف من غير اعتبار للفرق في الصفة بين الأنفين، كالصغر والكبر، أو الحسن والقبح أو المنفعة وعدمها - فيقطع الأنف الأخشم بالأخشم 119 والأخشم بالشام لتساويهما في سلامة الصورة والمنظر؟
أما القصاص في الأنف فإنما يكون في المارن، لأنه ينتهي إلى مفصل - والمارن هو ما لان من لحم الأنف دون قصبته، لأنه ينتهي بحد - وبذلك يقتص من مارن الجاني بمثله ويقدر ما قطع من الأنف بالأجزاء كالنصف والثلث والربع، ولا يقدر القصاص بالمساحة.
الأذن: تقطع الأذن قصاصا في العمد، لأنها تنتهي إلى حد فاصل، وذلك بغض النظر عن اختلاف الأوصاف بين الآذان، ولذلك تؤخذ الأذن الكبيرة بالأذن الصغيرة - وتؤخذ أذن السميع بأذن الأصم - وأذن الأصم بأذن السميع لتساويهما في السلامة من نقص الصورة والمنظر.
ولو قطع بعض الأذن كان للمجني عليه أن يقطع من أذن الجاني بقدر ما قطع من أذنه على أن يقدر ذلك بالأجزاء كالنصف والثلث والربع 120.
السن: وهو الضرس وجمعه أسنان وأسنة - وهو مما يجري فيه القصاص وعلى هذا تؤخذ السن الصحيحة بالصحيحة - وتؤخذ المكسورة بالصحيحة - لكن لا تؤخذ الصحيحة بالمكسورة، كيلا يأخذ المجني عليه أكثر من حقه - وتؤخذ السن الزائدة بالسن الزائدة إذا اتفق محلهما لكونهما متساويين.
ولو كسر بعض سن، كان للمجني عليه أن يقتص من الجاني - وذلك أن يقدر المكسور بالأجزاء - فيؤخذ النصف بالنصف والثلث بالثلث وكل جزء بمثله - ولا يقدر ذلك بالمساحة، لأن التقدير بها ربما يؤدي إلى أخذ جميع سن الجاني ببعض سن المجنى عليه 121.