فهرس الكتاب

الصفحة 793 من 2536

وذلك هو شأن العتاة الجاحدين من خصوم الإسلام في كل زمان - منهم بارعون ناشطون دهاة في التصدي للإسلام بالكيد والعداء والتخطيط الخبيث في الظلام - أولئك يكرهون الإسلام كراهية بالغة مسرفة - كراهية مركومة ومركوزة في العميق من نفوسهم الحافلة بالغيظ والحقد على الإسلام وأهله - إن هذا الصنف من الناس ما يكاد يسمع عن عزة الإسلام وروائعه وأمجاده شيئا تحيط به الحسرة والنفور ويأخذه التسخط والامتعاض ويطوق قلبه وروحه التبرم والحسد لفرط ما ينحبس في صدره من كراهية للإسلام وأهله - مع أن الإسلام جاء رحمة للبشرية كافة - وكذلك المسلمون فإنهم أحرص الناس على الرحمة بالإنسانية ودفع الأذى والشر والضر عنها - الله يعلم أن المسلمين أعطف الخليقة بالخلائق عامة لما قذفه الإسلام بعقيدته وتعاليمه من غامر الرأفة والتحنان في قلوبهم.

قوله: {كأنما يصعد في السماء} يصعد، بالتشديد، أي يتكلف ما لا يطيق من المشقة والعناء مرة بعد مرة كما يتكلف من يريد الصعود إلى السماء - وقيل: كاد قلبه يصعد إلى السماء نبوّا عن الإسلام - والمراد أن الذي يضيق صدره حرجا لدى سماع القرآن أو الإسلام فإنه يشق عليه الإيمان مثلما يشق عليه صعود السماء، وهو ما لا يستطيعه أو يطيقه كائن بقدراته العادية - وفي الصعود إيحاء ببالغ المشقة والإرهاق والتعسير - ومنه قوله سبحانه: {سأرهقه صعودا} وذلك تصوير رباني بالغ ومبين يكشف عن حال المعاندين الغلاظ الذين تتجافى قلوبهم عن قبول العقيدة الإسلامية أو تتعامى أنظارهم وعقولهم عن إدراك الإسلام بحقائقه الكريمة المستفيضة - هؤلاء الجفاة المتربصون إذا سمعوا الإسلام أو دعوا إليه ضاقوا ذرعا بل ضاقت بهم السبل والدنيا بما رحبت، وأخذهم من فرط الاغتمام والحنق والمكابدة مثل ما يجده الذي يصعد في السماء حسيرا وجلا مذعورا.

قوله: {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} الكاف في اسم الإشارة صفة للمصدر - والتقدير: مثل ذلك الجعل يجعل الله الرجس والأصل في الرجس أنه النتن، والنجس - وقيل: العذاب وقيل: الإثم - والمعنى: أنه مثلما جعل الله الصدر ضيقا حرجا فإنه يجعل الرجس: العذاب أو الإثم على الجاحدين للتوحيد المكذبين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم 159.

قوله تعالى: {وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الأيت لقوم يذكرون (126) لهم دار السلم عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعلمون} مستقيما، منصوب على الحال المؤكدة من صراط - وإنما كانت مؤكدة، لأن صراط الله تعالى لا يكون إلا مستقيما 160 والإشارة {هذا} عائدة إلى ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من المؤمنين الذين ارتضوا بمنهج الله سنة وسبيلا يسلكونه للنجاة في الدارين - وهذا هو طريق الله المستقيم - أي دينه الحق المبين الذي لا عوج فيه ولا ظلم ولا لغو - وإنما هو الدين العدل الصادق الذي يشمل الخير والاستقامة والصواب والحق كله - الحق بكل صوره ومعانيه ومقوماته - لا جرم أن الإسلام نظام الحياة الشامل الكامل - النظام الذي تستقيم عليه أحوال الأفراد والمجتمعات على مر الأيام والأزمان حتى يرث الله الحياة والعالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت