فهرس الكتاب

الصفحة 1759 من 2536

قوله: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} قال أبو المرأتين - وهو شعيب في قول أكثر المفسرين- لموسى: إني مزوجك إحدى ابنتي هاتين على أن تكافئي من تزويجها رعي ماشيتي ثماني حجج، جمع حجة، بكسر الحاء وهي السنة 21 و {ثَمَانِيَ} ، منصوب على الظرف 22 ويستفاد من هذه الآية جملة أحكام منها: أن الولي يعرض وليته على الزواج، وهذه سنة قائمة - فقد عرض صالح مدين -وهو شعيب في قول أكثر المفسرين- ابنته على موسى وهو صالح بني إسرائيل - وعرض عمر ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان (رضي الله عنهما) - وعرضت الموهوبة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعّد النظر فيها وصوّبه ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها - فقال:"هل عندك من شيء؟"فقال: لا والله يا رسول الله - فقال:"اذهب إلى أهلك فانظر لعلك تجد شيئا"، فذهب ورجع فقال: لا والله ما وجدت شيئا - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"انظر ولو خاتما من حديد"فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولو خاتما من حديد - فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا، فأمر به فدعي، فلما جاء قال:"ما معك من القرآن؟"قال: معي سورة كذا وكذا - لسور عددها - قال:"تقرؤهن عن ظهر قلبك؟"قال: نعم - قال:"اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن"، وفي رواية"زوجتكها"، وفي رواية أخرى:"أنكحتكها"وفي رواية:"أمكناكها".

ويستدل من قوله: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ} على أن النكاح موقوف على لفظ التزويج والإنكاح - وهو قول الشافعية، خلافا للمالكية؛ إذ قالوا: ينعقد النكاح بكل لفظ - وعند الإمام أبي حنيفة، ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأييد 23.

واختلفوا في النكاح بالإجازة، فهو جائز عند الشافعية، واصبغ وسحنون من المالكية - والمشهور عند مالك الكراهة - ومنعه أبو حنيفة وبعض المالكية - وسبب اختلافهم في ذلك: الاختلاف في المسألة الأصولية: هل شرع من قبلنا شرع لنا فمن قال: إنه شرع لنا أجاز كون الإجازة مهرا لقوله تعالى: {عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} ومن قال: ليس شرعا لنا قال: لا يجوز النكاح بالإجازة 24.

قوله: {إِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ} يعني إن أتممت من الرعي عشر سنين فذلك تفضل منك وليس إلزاما لك؛ فقد جعل الزيادة على الثمانية إلى العشرة موكولا إلى مروءته، أي إن تبرعت بزيادة سنتين ترعى فيهما غنمي فذلك إليك {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} أي ما أبتغي لك المشقة بإلزامك إتمام عشر حجج {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} أي ستجدني إن شاء الله من أهل الوفاء والصلاح في حسن المعاملة ولين الجانب.

قوله: {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ} {ذَلِكَ} في محل رفع مبتدأ - وخبره {بَيْنِي وَبَيْنَكَ} والإشارة عائدة إلى ما عاهده عليه شعيب؛ أي ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه وشارطتني عليه قائم بيننا لا نخرج كلانا عنه - أو هذا الذي قلته من التزامك تزويجي إحدى ابنتيك على أن آجرك ثماني حجج واجب بيني وبينك وكلانا ملوم بالوفاء لصاحبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت