فهرس الكتاب

الصفحة 1482 من 2536

{خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى} شرح الله صدر موسى عليه السلام وأذهب عنه ما أصابه من خوف لرؤية الحية العظيمة، فلما أمسكها بيده تنفيذا لأمر الله له بذلك، أعادها الله عصا كما كانت من قبل - وقيل: بلغ موسى من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحيتها وهو قوله سبحانه: (سنعيدها سيرتها الأولى) (سيرتها) منصوب بالفعل (سنعيدها) بتقدير حذف حرف جر - وتقديره: سنعيدها إلى سيرتها الأولى، فحذف حرف الجر فاتصل الفعل به فنصبه.

و (سيرتها) ، من السيرة وهي الحالة التي يكون عليها الإنسان، سواء كانت فطرية أو مكتسبة - وهي في الأصل كما قال الزمخشري من السير كالركبة من الركوب - يقال: سار فلان سيرة حسنة - ثم استعملت بمعنى الحالة والطريقة - والمعنى: سوف نردها عصا كما كانت - وقيل: أراه الله ذلك عند المخاطبة توطينا لنفسه كيلا يفزع منها إذا انقلبت حية عند فرعون - وهذه معجزة عظيمة أوتيها موسى تثبيتا لقلبه وتنبيها لفرعون لعله يخشى أو يتدبر أو يزدجر.

ثم أتاه الله معجزة أخرى وذلك في قوله: {واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى} (إلى جناحك) يعني إلى جنبك؛ أي تحت عضدك - وجناحا الإنسان جنباه - والأصل المستعار منه، جناحا الطائر وقد سميا جناحين؛ لأنه يجنحهما؛ أي يمليهما عند الطيران - والمعنى - ضم يدك أو أدخلها تحت عضدك (تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى) أي تخرج يدك ولها شعاع كشعاع الشمس من غير مرض كبرص ونحوه - و (بيضاء) ، منصوب على الحال من ضمير تخرج - و (آية) ، منصوب على الحال بدلا من (بيضاء) 9 فهذه معجزة ثانية أوتيها موسى غير معجزة العصا، زيادة في تثبيت فؤاده وتصديقه أمام الطاغية فرعون.

قوله: {لنريك من آياتنا الكبرى} ذلك تعليل لما أوتيه موسى من الآيات الكبرى كانفلاق العصا وإخراج اليد من الجنب أو من تحت العضد لتصبح كأنما هي مصباح يضيء

-والمعنى: فعلنا ذلك لنريك من آياتنا الكبرى.

قوله: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} أمره ربه أن يذهب إلى فرعون مبلغا وناصحا وهاديا، فقد طغى؛ أي أفرط في العصيان والاستكبار ومجاوزة الحد؛ إذ خرج عن حد العبودية إلى دعوى الربوبية - وهذه مغالاة فظيعة وإفراط بالغ في النكر لا يبلغه إلا الأخسرون من رؤوس الشياطين في هذه الدنيا من أمثال الطاغية فرعون.

عندئذ أحس موسى بثقل الوجيبة الهائلة التي أنيطت به - وهي أمانة التبليغ لدعوة الله وإيصالها لهذا الشقي الكنود، المغالي في الجحود والكفران - فدعا ربه أن يشرح له صدره؛ أي يجعله واسعا فيحتمل المشاق ورديء الأخلاق من هذا الظالم المتجبر - ودعا ربه أيضا أن يفتح ما بلسانه من عجمة أو رتة في الكلام كانت فيه من الجمرة التي وضعها على لسانه في صباه - وذلك لما أخذ موسى لحية فرعون ولطمه بشدة وهو صغير، فأراد فرعون أن يقتله، فقالت له امرأته الصالحة الفضلى آسيا: إنه صغير لا يعقل فأتت بطستين، في أحدهما جمر، وفي الآخر جوهر - فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة منها فوضعها في فيه على لسانه فكانت هذه الرتة 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت