وعلى هذين الاعتبارين، وهما الإيمان والعلم، تعرف مقادير الناس، لتتحقق لهم الكرامات والاعتبارات - فأيما إنسان أتقى وأعلم؛ فهو في ميزان الإسلام خير وأفضل - يستوي في ذلك الذكر والأنثى - ولا يغني الإنسان كونه ذكرا إذا أبطأ به عمله، فكان غير ذي علم ولا تُقى - ماذا تغنيه ذكورته إذا جاء ربه يوم القيامة خاليا من الهداية والطاعة والعلم - لا جرم إذ ذاك أن يُقذف به ليكون في زمرة الخاسرين الأشقياء الذين يساقون إلى جهنم - لكن المرأة الكريمة الفضلى ذات العقيدة والخلق، فإنها تستوجب التكريم والاحترام في هذه الدنيا - وهي يوم القيامة في زمرة الآمنين الفائزين، وهي من أهل النجاء والجنة.
قوله: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم} ، التبشير في اللغة يعني الإخبار الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه - وكلا السرور والحزن، يؤثر في تغير بشرة الوجه - فوجب بذلك أن يكون لفظ التبشير، حقيقة في كلا السرور والحزن - وسواد الوجه كناية عن الاغتمام والحزن - والإنسان إذا أصاب قلبه من الداخل كمد وغم، تسرّب ذلك من الداخل إلى الأطراف ولا سيما الوجه، لما بينه وبين القلب من صلة كبيرة - وبذلك يربدّ 58 الوجه ويسفر ويسودّ، ويظهر فيه أثر الحزن أو الهم أو الغم أو الكمد، أو غير ذلك من مختلف الإحساسات والمشاعر - ولقد كانت العرب تكره البنات، وتستاء من جيئتهن أبلغ استياء - وكان أحدهم إذا أخبر بولادة الأنثى، حزن بالغ الحزن، واغتم أشد الاغتمام، فظهر أثر ذلك على وجهه؛ إذ يصير مسودّا، أي: متغيرا - والاسوداد كناية عن الغم والكآبة، والتبرم بولادة البنت - وقيل: المراد سواد اللون من فرط الخجل والتسخط - (وهو كظيم) ، أي: ممتلئ غظيا.
قوله: (يتوارى من القوم من سوء ما بشّر به) ، كهذا الذي جاءه الإخبار بولادة الأنثى، (يتوارى من القوم) ، أي: يختفي منهم ويستتر، (من سوء ما بشر به) ، أي: من شديد ما أصابه، من الغم والغيظ والإحساس بالعار من ولادة الأنثى.
قوله: (أيمسكه على هون) ، يمسكه من الإمساك، وهو الحبس - والهون، معناه الهوان أو المهانة - تهاون به، أي: استحقره 59، والضمير في (أيمسكه) ، يرجع إلى البنت؛ أي: أيمسك هذه المولودة، على رغم أنفه وإحساسه بهوان نفسه؟! (أم يدسه في التراب) ، والدس معناه الإخفاء والدفن 60؛ فالمولود له متردد بين إمساك الأنثى المولودة على إحساس منه بالمهانة والعار في نفسه بسبب ولادتها - أو دفنها حية في التراب - وذلك هو الوأد - وهو الفعلة المشؤومة النكراء، الفعلة الشنيعة الفظيعة، التي كانت العرب تفعلها في جاهليتهم الأولى - الجاهلية السخيفة العمياء، التي تسوّل للإنسان عبادة الأحجار الصم، ووأد ابنته حية في الثرى، وذلك في غاية القسوة والفظاعة وكزازة القلب والطبع.
فإنه يروى أن العرب كانوا يحفرون حفيرة، ويجعلونها فيها حتى تموت.