فهرس الكتاب

الصفحة 1330 من 2536

قوله: (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه) ، ذلك من عجيب صنع الله، أن صنع من الشجر والزهور والثمر في أحشاء النحل عسلا، يخرج من (بطونها) ، يعني: أفواهها، وهو قول أكثر المفسرين - وقيل: يخرج العسل من أدبارها.

وكيفما يكون الإخراج، أو من حيثما كان؛ فإن غاية العجب تكمن في ماهية صنع ذلك في جوف النحل ليصير عسلا، وهو الشراب الشهي المستطاب، وهذه الظاهرة العجيبة لا تحصل في غير النحل من الأحياء - لاجرم أن ذلك، هو: دليل ظاهر بالغ على عظيم قدرة الله.

على أن العسل مختلف الألوان بالبياض والصفرة والحمرة والسواد، وسبب ذلك: اختلاف طباع النحل، واختلاف المراعي - وقيل: الأبيض تلقيه شباب النحل، والأصفر تلقيه كهولها، والأحمر تلقيه مسنها، وذلك بحسب أسنان النحل.

وقيل: إن ذلك لمحض إرادة الصانع الحكيم جل جلاله.

قوله: (فيه شفاء للناس) ، الضمير في قوله: (فيه) ، يعود إلى العسل، وهو شفاء من جملة الأشفية والأدوية النافعة، و (شفاء) نكرة، للتعظيم؛ أي: فيه شفاء، أي: شفاء، أو لدلالته على مطلق الشفاء؛ أي: فيه بعض الشفاء، وليس كله - وليس المراد بالناس هنا العموم؛ فإن كثيرا من الأمراض لا يدخل في دوائها العسل، وإنما المراد بالناس الذين ينجع العسل في أمراضهم.

قوله: (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) ، فيما تبين من ذكر النحل: من حيث ثواؤه في بيوت يصنعها على أشكال مختلفة عجيبة، ومن حيث غذاؤه من أوراق الشجر وأزهاره، وما يعقب ذلك من صنع العسل، هذا الشراب الذي يستشفي به كثير من الناس، وذلك بطريقة يعلم ماهيتها الله، والراسخون في العلم- إن ذلك كله (لآية لقوم يتفكرون) ، أي: دليل ظاهر وبرهان ساطع يتدبره أولوا الأبصار والنهى، فيستيقنون أن الله حق، وأنه على مل شيء قدير 77.

قوله تعالى: {والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير (70) } ، بهذه الآية القصيرة في كلماتها المؤثرة المعدودة يبين الله حال الإنسان بدءا بنشأته، وانتهاءً بموته ورحيله إلى الدار الآخرة، وما بين البداية والنهاية من مختلف المراحل المتطورة من حال إلى حال - فأول ذلك الاجتنان في الأرحام - ثم الرضاع في مطلع الحياة للإنسان، ثم الفتوة والمراهقة، ثم الشباب واكتمال القوة في الأجساد، ثم الاكتهال والشيخوخة، ثم الهرم والسن الطاعنة والازدلاف من الموت - وذلك كله في قوله تعالى: (والله خلقكم ثم يتوفاكم) ، وما بين الخلق والوفاة تتفاوت الأعمار والآجال والأقدار بين الناس؛ فمنهم من يتوفاه الله صغيرا، ومنهم من يتوفاه شابا، ومنهم من يمتد به العمر إلى أخسه - وفي ذلك يقول سبحانه: (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) ، أي: آخر العمر الذي تفسد فيه الحواس، ويضعف العقل، ويأتي عليه الخرف والخلل - وكذا البدن بمختلف أعضائه وأجزائه يصيبه الضعف والتلف والهرم مما ينذر بدنو الأجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت