فهرس الكتاب
أما المعنى للآية: فإنه لما قضى الله أن يهلك فرعون وجنوده الظالمين أمر رسوله موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ليلا فيأخذ بهم طريق البحر - ولما وصل موسى وبنو إسرائيل البحر، وفرعون يتبع أثرهم بجنوده حتى إذا تراءى الجمعان، أصاب بني إسرائيل الهلع والذعر؛ إذ ظنوا حينئذ انه لا منجاة لهم ولا ملجأ، يفرون إليه، فالبحر من أمامهم، وفرعون وجنوده من ورائهم، لكن الله نصير المؤمنين الصابرين ومغيث المكروبين المظلومين، ومعز رسله الأبرار الطاهرين، قد أمر نبيه وكليمه موسى أن يضرب للبحر بعصاه - وهو قوله: (فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا) يبسا منصوب على أنه صفة لقوله: (طريقا) وهو مصدر - نقول: يبس يبسا ويُبسا أي لا ماء فيه ولا طين.
لقد ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق منه اثنا عشر طريقا يابسا لا ماء فيه ولا طين وبين كل طريقين ماء قائم كالجبال وهو قوله في آية ثانية (فكان كل فرق كالطود العظيم) أي الجبل الكبير - فأخذ كل سبط من بني إسرائيل طريقا يمشي فيه آمنا سالما من كل مكروه، لا جرم أن هذا من أعظم المعجزات التي امتنّ الله بها على بني إسرائيل.
قوله: (لا تخاف دركا) الجملة الفعلية في موضع نصب على الحال - والتقدير: فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا؛ أي غير خائف إدراك فرعون 33 والدرك والإدراك بمعنى اللحاق.
قوله: (ولا تخشى) أي لا تخشى من البحر أن يغشاكم - فلا فرعون يدرككم ولا البحر مغرقكم أو مطبق عليكم - ولكنكم آمنون سالمون وستمضون وسط البحر فوق اليبس في منجاة من كل سوء أو مكروه.
قوله: (فأتبعهم فرعون بجنوده) أي اتبعهم، أو خرج خلفهم فرعون ومعه جنوده (فغشيهم من اليم ما غشيهم) لفظة ما، تفيد الإبهام - وفي ذلك ما يشير إلى تعظيم الشأن وهول ما حصل - فيكون ذلك أبلغ في التخويف والتهديد - أي أصاب فرعون وجنوده من هول البحر وهوان التغريق ما لا يعلم فداحته وفظاعته - أي أصاب فرعون وجنوده من هول البحر وهوان التغريق ما لا يعلم فداحته وفظاعته إلا الله 34.
قوله: {وأضل فرعون قومه وما هدى} لقد أضل فرعون قومه بطغيانه وكبريائه وفرط غروره وحماقته - أضلهم؛ إذا استخفهم وساقهم إلى الهلاك والخسران بعد أن خدعهم وكذب عليهم وأثار في خيالاتهم الواهمة السقيمة أنه مجيرهم فيرد عنهم كل المكاره والعوادي، وأنه صائر بهم إلى النجاة والرشاد؛ فقد أضلهم هذا الطاغوت الشقي بسوقهم إلى سوء المصير في الدنيا حيث التغريق، وفي الآخرة حيث التحريق - فما أرشدهم إلى سداد ولا صواب - وذلك هو شان الطغاة والظلمة من الساسة والحاكمين الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، والذين يستكثرون من حولهم المنافقين والمستغفلين والخائرين حتى إذا جاء أمر لله، سيق الظالم المتجبر وأعوانه المنافقون والمستخفون والخائنون إلى حيث الخزي والافتضاح وانكشاف السوءات في هذه الدنيا، ثم يوم القيامة يردون إلى جهنم وبئس المصير.