قوله: {وعذاب الذين كفروا وذالك جزاء الكافرين} أي عذاب الله الكافرين في الدنيا بالقتل والإذلال والهزيمة على أيدي المسلمين - وهذا جزاء كفرهم وجحودهم ومحاربتهم لله ولرسوله وللمؤمنين.
قوله: {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم} بقد تاب الله على من بقي من هوازن بعد ما حل بهم من القتل والهزيمة فأسلم من بقي منهم؛ إذ قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم - والله جل شأنه غفار للذنوب والخطايا؛ فهو يتوب على التائبين المنيبين منهم، ويشملهم برحمته وفضله؛ فلا يؤاخذهم بما كسبوا من الإشراك والمعاصي بعد أن تابوا وأنابوا 45.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا تقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم علية فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم} النجس، مصدر نجس نجسا وقذر قذرا - ومعناه ذو نجس، وقال الليث: النجس، الشيء القذر من الناس ومن كل شيء - ورجل نجس وقوم أنجاس، واختلفوا في معنى النجاسة المتلبسة بالمشرك؛ فقيل: إن نجاسته عينية فهو بذلك نجس البدن، وهو قول أهل الظاهر - وري عن ابن عباس قوله: إن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير - أما الفقهاء وأكثر أهل العلم على أن أبدانهم طاهرة وإنما نجاستهم حكيمة لا حسية؛ فهي إنما يراد بها ما يعتقدونه من الكفران والشرك - ويحتج لطهارة أبدانهم بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من أوانيهم.
على أن الكافر إذا أسلم وجب عليه أن يغتسل - وهو قول المالكية والحنبلية، وآخرين - وقيل: لا يجب في حقه الغسل بل يستحب - وهو قول الشافعي.
أما دخول الكافرين المسجد الحرام أو غيره من المساجد ففي حكمه أقوال:
القول الأول: الآية عامة في سائر المشركين وسائر المساجد - وبذلك لا يجوز للمشركين أن يدخلوا مسجدا من المساجد سواء كان ذلك المسجد الحرام أو غيره؛ وهو قول عمر بن عبد العزيز، وذهب إليه الإمام مالك.
القول الثني: الآية عامة في سائر المشركين لكنها خاصة في المسجد الحرام وبذلك لا يمنعون من دخل غير المسجد الحرام؛ وهو قول الإمام الشافعي، وهو أن الكفار جميعا يمنعون من دخول المسجد الحرام خاصة؛ وبذلك يباح دخول اليهود والنصارى سائر المساجد من غير المسجد الحرام.
القول الثالث: لا يمنع أهل الكتاب من اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام أو غيره من المساجد - ولا يمنع من دخول المسجد الحرام سوى المشركين وأهل الأوثان - ومثل هذا الإطلاق يرده ظاهر الآية من حيث منطوقها فلا ينبغي التعويل على هذا القول.
على أن المراد بالمسجد الحرام هو جميع الحرام - وقيل: المراد نفس المسجد - ويستدل على صواب الأول بقوله تعالى: {وإن خفتم علية فسوف يغنيكم الله من فضله} وذلك لأن موضع التجارات ليس هو عين المسجد؛ فلو كان المقصود من هذه الآية المنع من المسجد خاصة؛ لما خافوا بسبب هذا المنع من العلية، وإنما يخافون العلية إذا منعوا من حضور الأسواق والمواسم - ويتأكد هذا القول بقوله سبحانه وتعالى: {سبحان الذي أسرى بعيده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا} وإنما رفع النبي صلى الله عليه وسلم من البيت أم هانئ 46.