ومثل هذه المقالة كانت الأمم السابقة تتحذلق بها على سبيل الخصام الفاجر والعناد العاتي المكابر - فقد قال أهل الكتاب لأنبيائهم مثل ما قالته العرب للرسول (صلى الله عليه وسلم) ، والقرآن يحدثنا عن مقالة بني إسرائيل لنبيهم موسى وهم في ذلك يضربون في المغالاة والجنوح رقما قياسيا؛ إذ طلبوا أن يروا الله جهرة {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} وفي آية أخرى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} .
هكذا تتطابق مقالة العرب المشركين، وما قاله أهل الكتاب من قبل؛ ولذلك يقول سبحانه هنا: {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم} أي أن قلوب هؤلاء وأولئك قد تشابهت جميعا في العمى أو في ترك الإيمان الصحيح وفي الاتفاق على الكفر - وقوله: (كذلك) الكاف في محل نصب صفة لمصدر محذوف - أي قولا مثل ذلك - وقيل: في محل رفع مبتدأ - وما بعد ذلك خبره - وقوله: {مثل قولهم} مثل مفعول به منصوب لقال - وقيل: صفة لمصدر محذوف 106.
وقوله: {قد بينا الآيات لقوم يوقنون} الآيات هي الدلائل والبراهين الواضحة الساطعة التي بينها الله للناس؛ تبيينا تتحقق منها عقول المنصفين الذين يبتغون المعرفة دون عناد أو مكابرة؛ وكذلك لتستيقنها نفوس الذين تبرأت طبائعهم من المرض والفساد.
وقوله: {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا} يبين الله تباركت أسماؤه أنه أرسل نبيه محمدا (صلى الله عليه وسلم) بالحق وهو الدين القيم الكامل فهو حق فيما حواه من رائع العقيدة الثابتة العميقة المكينة، ومن زاجر التشريع العظيم الذي يغطي الحياة البشرية برمتها، ومن جليل القيم وجلال المثاليات وحميد الأخلاق وكل الخصال الإنسانية الرفيعة التي غابت شمسها عن وجه المجتمعات في هذه الأرض باستثناء هذه الأمة الكريمة العتيدة التي تجلت فيها المثاليات ومكارم الأخلاق على أروع صورة.
وكذلك قد أرسل الله نبيه الكريم ليكون للناس بشيرا يحمل إليهم أخبار السعادة والأمن والطمأنينة وأخبار الجنة وما حوته من خيرات ليس لها في هذه الدنيا نظير.
وهو عليه السلام مبعوث أيضا؛ ليكون للناس نذيرا يخوفهم من سخط الله وعذابه، ويحذرهم من انتقامه الذي لا يرد عن الفاسقين إذا حاق بساحتهم، وهو كذلك يخوفهم من شديد عقابه الأكبر في اليوم العسير المشهود يوم القيامة.
قوله: {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} الواو السابقة للنفي تفيد العطف - أي أن مهمة النبي (صلى الله عليه وسلم) تتأدى على وجهها الصحيح الأوفى إذا بلغ رسالته للناس وقام بوجيبة التبشير لهم والتنذير دون تقاعس أو تحفظ أو وجل - وبذلك تبرأ الذمة ويستتم الأداء للأمانة ولا عليه بعد ذلك إذا ما لجت الأمة أو تمردت على دعوة الحق، فهو عليه السلام ليس مسؤولا عنهم إذا ما كبكبوا في الجحيم - وفي مثل هذا الموقف يقول سبحانه في آية أخرى: {فإنما عليك وعلينا الحساب} ويقول عز من قائل: {نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} 107.