قوله: {ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم} أي من نصح لله ورسوله بعد أن تخلف عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لعذر من الأعذار، ليس عليه سبب يوجب عقابه - أو ليس على المعذورين الناصحين من سبب يدعو إلى عقابهم ومؤاخذتهم؛ بل إن الله يستر على المحسنين ذنوبهم ويشملهم برحمتهم فلا يعذبهم.
قوله: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه} نزلت في البكائين وكانوا سبعة: مقعل بن يسار وصخر بن خنيس وعبد الله ابن كعب الأنصاري وسالم بن عمير وثعلبة بن غنيمة وعبد الله بن مغفل، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله إن الله عز وجل ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة معك - فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وهم يبكون 172.
هذه نماذج من المؤمنين الأبرار الذين تتعلق قلوبهم وأهواؤهم بعقيدة الإسلام - فلا تعبأ بالشهوات والمنافع الدنيوية إلا بقدر ما يكفل لها العيش المبسط المعقول - العيش الوسط المجانب لكل من النقيضين وهما الترف والشظف.
أولئك نفر من المؤمنين الأتقياء الذين رغبوا في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - لكنهم قد منعهم من ذلك مانع الفقر وقلة المؤونة والعجز عن الأهبة للحرب، فأدبروا راجعين وأعينهم تفيض دمعا؛ إذ يبكون حزنا أنهم لم يجدوا ما يمكنهم من الذهاب لقاء العدو - لا ريب أن ذكر هذا النفر بمثل هذه الكلمات الكريمة المؤثرة يبين أن خصلة الإخلاص لهي القمة السامقة في درجات الخصال العظام التي تجعل المسلم في عداد الصالحين المتقين - فما يعود هؤلاء الأبرار وهم باكون إلا لإخلاصهم لله وأوامره، وغيرتهم على هذا الدين المستهدف من قبل المتربصين في كل مكان وزمان - وقد جاء في الصحيحين في ذلك من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا، ولا سرتم سيرا إلا وهم معكم) قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: (نعم حبسهم العذر) .
وروي الإمام أحمد عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد خلفتم بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا، ولا سلكتم طريقا إلا شركوكم في الأجر حبسهم المرض) 173.
قوله تعالى: {إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون} {السبيل} معناه هنا الإثم والمؤاخذة، فهما على المنافقين الذين يستأذنون في القعود عن الجهاد وهم أغنياء أصحاب؛ فقد أنبهم الله تأنيبا ووبخهم بما يستحقونه من التوبيخ المقرع؛ لأنهم رضوا أن يقعدوا عن الجهاد فيكونوا في صف الخوالف من النساء {وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون} هؤلاء المنافقون المخادعون قد ختم الله على قلوبهم بفساد ما يخفون من سوء النوايا، وبما اكتسبوا من الذنوب، وهم في ذلك كله لا يعلمون ما ينتظرهم من سوء العواقب في الدنيا حيث الخزي والتقريع وسوء الذكر والسيرة، وفي الآخرة الجحيم والنار - أعاذنا الله من كل ذلك عوذا كبيرا.