فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 2536

أولهما: أن السؤال عن الأهلة وإتيان البيوت من غير أبوابها كانا بمثابة قضيتين وردتا متفقتين معا - وبعبارة أخرى فإن السؤال عن الأهلة جاء في وقت كان الناس يدخلون بيوتهم من غير أبوابها، فنزلت الآية في القضيتين معا.

ثانيهما: ما وقف عليه الأستاذ الشهيد سيد قطب-رحمه الله- وهو أن السؤال عن الأهلة يخالطه التكلف والاستعجال، فما كان السائلون مؤهلين أصلا لمعرفة الحقيقة الطبيعية التي يسبر على أساسها القمر في دورانه حول الأرض ليبدو على أشكال متفاوتة من لأهلة - 236

إن هذا السؤال المتكلف المستعجل من السائلين عن هذه الحقيقة يوحي بالتكلف البطر غير المرغوب، كشأن الذي يستنكف عن الدخول في البيت من بابه المعلوم ثم يأتيه من خلفه إيثارا للاعوجاج الملتوي ومجانفة عن سواء السبيل.

كذلك الذين يقفزون في غير تبصرة موزونة ولا تفكير متئد سليم ليسألوا عن حقيقة طبيعية لجزء عظيم من أجزاء ها الكون (القمر) وذلك من حيث هيئته وتفاوت حجمه على نحو مطرد مقدور.

كان حريا بأولئك السائلين أن يكفوا عن مثل هذا السؤال الذي يعز عليهم إدراكه في زمانهم، وكان عليهم أن يأخذوا أنفسهم بالتقوى وما يتطلبه ذلك من مقتضيات البر والطاعة، فإن ذلك أبعد عن التكلف في السؤال وهو بمثابة الإتيان للبيوت من أبوابها لا من ظهورها - والله سبحانه وتعالى أعلم.

قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل اله الذي يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين)

كان القتال قبل الهجرة ممنوعا - وهو ما يدل عليه قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن) وقوله: (فاعف عنهم) وقوله: (واهجرهم هجرا جميلا) ولما هاجر النبي (ص) إلى المدينة أمره بالقتال بقوله: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم) فكان النبي يقاتل من قاتل ويكف عمن كف عنه حتى نزل قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) وروي أن هذه أول آية نزلت في الأمر بالقتال - وقيل: أول آية في ذلك هي قوله تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) .

قوله: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المفسدين) فقد جاء في تأويل هذه الآية قولان:

القول الأول: إن الله يأمر عباده المؤمنين بمقاتلة أعدائهم الذين يقاتلونهم حتى إذا كف الأعداء عن مقاتلتهم، كان على المؤمنين أن يكفوا كذلك بالمثل؛ لأن قتالهم من لم يقاتلهم من الكافرين يعتبر عدوانا والله سبحانه (لا يحب المعتدين) .

وقيل أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) وبقوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة) .

القول الثاني: إن هذه الآية ليست منسوخة بل هي محكمة - وتأويل ذلك أن الله يأمر المؤمنين بمقاتلة أعدائهم الكافرين الذين شأنهم وحالهم وهمهم قتال المسلمين - فكأن الكافرين على قتال دائم مع المؤمنين، فمن كانت حالة هذه وجب قتاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت