قوله: {قد فصلنا الأيت لقوم يذكرون} أي بيانها ووضحناها وجعلناها مستبينة ميسرة لمن أراد أن يتدبر أو يتذكر - أو لمن كان يملك زمام عقله وفكره وشخصه فيتحرر بذلك من إسار التعصب أو الجهالة أو الحقد أو الهوى الجامح ليجد أن القرآن كلام الله السامق الفذ وأنه بروعته وعذوبته وجمال آيه وكلمه غاية الإعجاز الذي ليس له في الكلام نظير - وليجد كذلك أن الإسلام طريق الإنسانية إلى التفاهم والتعاون والسلام - وهو منهاجها الشامل المتكامل الذي يتناول قضايا العالمين ومشكلاتهم جميعا.
قوله: {لهم دار السلم عند ربهم} المراد بدار السلام الجنة - والسلام من أسماء الله تعالى - وأضيفت الدار إلى اسمه تعالى تشريفا لها وتعظيما لمكانتها وما حوته من خير وكرامة وطيب عيش للمؤمنين الأبرار.
وقيل: السلام، بمعنى السلامة - أي دار السلام من الآفات والنوائب والأهوال والمكاره جميعها مما يجده الأشقياء التعساء في النار.
قوله: {وهو وليهم بما كانوا يعملون} الله تعالى ناصر هؤلاء المؤمنين المخلصين العاملين وهو حافظهم ومؤيدهم جزاء ما قدموه من الأعمال الصالحة في الدنيا 161.
128 - (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)
قوله تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا يمعشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولاؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثوكم خلدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا بما كانوا يكسبون} .
قوله: {ويوم يحشرهم جميعا} يوم، منصوب بفعل مقدر - وتقديره: اذكر يوم نحشرهم - وقيل: منصوب على الظرفية والعامل فيه مقدر - أي اذكر، أيضا جميعا، منصوب على الحال من الهاء والميم في {يحشرهم} 162.
في الآية يذكر الله بذلك اليوم المشهود الذي يجمع فيه عبدة الأوثان والأصنام - أولئك الذين اتخذوا الأنداد شركاء لله في الخضوع والعبادة - يجمعهم مع أعوانهم وأنصارهم من الشياطين الذين أغووهم والذين أوحوا لهم بالزخرف من الكلام المموه الخادع - هؤلاء جميعا يحشرهم الله يوم القيامة حشرا - والتعبير بالحشر يوحي بحال هؤلاء المحشورين المقبوحين من الشقاوة والتعس وانتفاء الكرامة والاعتبار - لا جرم أن الضالين المشركين من الشياطين وأتباعهم من البشر الفاسق مجموعون بين يدي الله في الآخرة ليجدوا هوان الحشر وما فيه من ضيق وإعانات وتحقير ومهانة.
قوله: {يمعشر الجن قد استكثرتم من الإنس} معشر الجن أي جماعتهم - والمراد بهم هنا الشياطين - والمعنى أن الله يقول لهذا الفريق المضل من الجن على سبيل التقريع والتوبيخ: لقد أضللتم كثيرا من الإنس بإغوائكم إياهم وإفسادكم لهم - وقيل: أكثرهم من إغوائهم وإضلالهم.