قوله: {وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} أي لا يلقى الجنة وما فيها من خيرات حسان ونعيم مقيم إلا الصابرون، القائمون على منهج الله فلا يتحولون ولا يتغيرون، والذين يحبسون أنفسهم عن المعاصي والمنكرات والفتن 61.
قوله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} {فَخَسَفْنَا} ، من الخسف وهو الذهاب في الأرض - وخسف الله به الأرض: أي غاب به فيها: وخسفت الأرض وانخسفت: أي ساخت بما فيها 62 والفاء للعليّة - والمعنى: أن الله خسف الأرض بقارون وبداره، أي غيّبه الله وغيّب داره في الأرض، جزاء بطره وعتوه واستكباره؛ فقد طغى قارون وبغى واغترّ اغترارا كبيرا، وصال تيها وخيلاء لفرط غروره وافتتانه بالدنيا وزينتها.
وهذا جزاء المتكبرين العتاة الذين يسرفون في البغي والعتو والباطل، لا جرم أن الله لهؤلاء بالمرصاد؛ فهو يملي لهم حتى إذا حان أجل الانتقام أخذهم أخذ عزيز مقتدر.
قوله: {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ} ليس له حين خسف الله به الأرض من معين ولا مجير غير الله، من يبذل له العون أو يدرأ عنه ما حاق به من الهلاك {وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ} أي ليست له منَعة يمتنع بها من نقمة الله.
قوله: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} {وَيْكَأَنَّ} : وي منفصلة من كأن، وهي اسم سمي به الفعل وهو أعجب - وهي كلمة يقولها المتندم إذا أظهر ندامته 63 - وعلى هذا فإن وي، كلمة تندم أو تعجّب - وهي مفصولة عن كأن وهي تستعمل عند التنبه للخطأ وإظهار التندم - قال سيبويه: سألت الخليل عن هذا الحرف فقال: إن وي مفصولة من كأن، وأن القوم تنبهوا وقالوا متندمين على ما سلف منهم: وي - والمعنى: أن القوم الذين تمنوا ما كان لقارون من عظيم الشأن في الزينة والمتاع لما شاهدوا ما نزل بقارون من الخسف صار ذلك زاجرا لهم عن الرغبة في احتلال مكانه من الزينة الباهرة، فندموا وخافوا وقالوا: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} أي أن الله يبسط رزقه لمن شاء من عباده فيوسع عليه فيه ليس لفضل منزلته عنده أو كرامته عليه {وَيَقْدِرُ} أي ويضيق على من شاء من عباده ويقتر عليه ليس لهوانه عليه؛ بل لله في ذلك الحكمة البالغة لا يعلمها إلا هو سبحانه - وفي الحديث المرفوع عن ابن مسعود:"إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا لمن يحب".