فهرس الكتاب

الصفحة 2370 من 2536

وذكر عن ابن عباس أيضا قوله: هؤلاء الذين منعهم أهلهم عن الهجرة لما هاجروا ورأوا الناس قد فقهوا في الدين، همّوا أن يعاقبوا أهليهم الذين منعوهم فأنزل الله {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} 7 فإن الله جل جلاله يحذر عباده المؤمنين الافتتان بالأزواج والأولاد والأهل والعشيرة - فإذا ما اعتزم المؤمنون الأوفياء أن يمضوا لأمر الله في هجرة أو جهاد أو غير ذلك من وجوه التضحية وقف في وجوههم الأزواج والأولاد والأهل والعشيرة ليصدوهم عن ذلك أو يثنوهم ويثبطوهم عما هم ماضون فيه من طاعة الله - وما ينبغي للمسلم الوفي الصادق الذي سلك سبيل الرحمن والتزم منهج الحق أن تثنيه نداءات الأهل والعشيرة أو الأصدقاء والخلان - إنما ينبغي للمسلم الصادق الذي يدعو إلى الله على بصيرة، أن يمضي لأمر الله غير مضطرب ولا متزعزع ولا متحرّج.

وهو قوله سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} عدواة الأزواج والأولاد للرجال والآباء بصدهم عن سبيل الله وبفتنهم عن دينه وتثبيطهم عن طاعته - وبذلك يحذر الله المؤمنين أن يفتنهم الأزواج والأولاد أو يضلوهم عن صراط الله المستقيم وعن منهجه القويم الحكيم، إنه لا ينبغي لمؤمن وفيّ صادق أن يغتر بنداء الأهل وأولي القربى إذا ما أرادوا له أن يثني عن عبادة الله وطاعته - وكذلك عداوة الأزواج والأولاد للزوجات والآباء بإغوائهم أو صدهم عن دين الله أو تثبيطهم عن القيام بطاعة الله - فما ينبغي لامرأة مسلمة صادقة تخشى الله أن تعبأ بإغواء زوجها أو تثبيطه لها إذا ما أراد أن يفتنها أو يضلها عن سبيل الله المستقيم - وما ينبغي للأب كذلك أن يحمله الحنين للولد على الجنوح والانثناء عن دين الله وعن منهجه الكريم.

قوله: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} كان الرجل إذا ثبّطه أزواجه وأولاده عن الهجرة ورأى الناس قد سبقوه إليها وتفقهوا في دينهم سخط منهم لتثبيطهم إياه، فهمّ أن يعاقبهم أو يوبخهم، فأرشده الله إلى أن يعفو عما اقترفوه من صدّه عن الطاعة - فيصفح عن معاقبتهم ويستر عليهم إساءتهم فلا يعنفهم أو يبكّتهم {فإن الله غفور رحيم} الله يستر على ذنوب عباده وهو بهم رحيم فلا يعاقبهم عقب توبتهم.

قوله: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} يعني ما أموالكم وأولادكم إلا بلاء عليكم ومنحة، في الدنيا إذ يحملونكم على فعل الإثم، والتفريط في حق الله وطاعته فالأموال تجنح بها القلوب نحو الدنيا وزينتها للاستزادة والاستكثار - أما الأولاد فإنهم يرققون القلوب أيما ترقيق ليعطفوها عن الاستقامة والعدل - فما تلبث هاتيك القلوب أن تجنح للحيف أو التفريط في حق الله - وفي ذلك روى الترمذي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب - فجاء الحسن والحسين (عليهما السلام) وعليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال:"صدق الله عز وجل {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} - نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما"ثم أخذ في خطبته.

قوله: {والله عنده أجر عظيم} المراد بالأجر العظيم الجنة - فإن الله يؤتيها المؤمنين من عباده الذي آثروا طاعة ربهم على الجنوح للمعصية والافتتان بالأموال والأولاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت