فهرس الكتاب

الصفحة 2176 من 2536

يبين الله حال الكافرين من الحيرة والتردد والمكابرة لما غشي القرآن قلوبهم وأذهانهم بروعة نظمه الباهر، وكمال مضمونه العجيب فبادروا بالإنكار والتكذيب إذ رموه بالسحر - وذلك لفرط اندهاشهم وإعجابهم في قرارة نفوسهم ولشدة ما أحدثه القرآن في وجدانهم وخيالهم من شديد الهزة والذهول - وذلك قوله سبحانه: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جآءهم هذا سحر مبين} يعني إذا تليت آيات القرآن واضحات نيرات على هؤلاء المشركين المعاندين قالوا {للحق لما جآءهم} أي قالوا للقرآن لما أنزل إليهم - وهوالحق من ربهم-: {هذا سحر مبين} قالوا: إن القرآن سحر يأخذ بقلوب الذين يسمعونه فهو يفعل في الناس فعل السحر وهو مبين، أي يتبين لمن يتأمله أنه سحر - وذلك افتراء مستهجن يتقوّله المشركون المعاندون الذين ضاقت بهم سبل التحيّل والاتهام لكتاب الله الحكيم فلم يجدوا غير سبيل السحر حجة يتشبثون بها - لا جرم أن هذا إيذان واضح منهم بأن القرآن عجيب ومميز وفذ - وهم موقنون في قلوبهم بأن القرآن لا يعارض ولا يضاهي فهو ليس له نظير في النظم أو الكليم.

قوله: {أم يقولون افتراه} {أم} المنقطعة بمعنى بل أيقولون افتراه - والاستفهام للإنكار والتعجيب من صنعهم - وبل، للإضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرا، إلى ذكر قولهم إن محمدا افتراه - وفي ذلك توبيخ لهم شديد، وتقريع.

قوله: {قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا} أي قل لهم يا محمد إن افتريت هذا القرآن من تلقاء نفسي أو تخرّصته على الله كذبا فإنكم لا تغنون عني من الله شيئا إن عاقبني جزاء افترائي وتخريصي، ولستم بقادرين على أن تدفعوا عني ما ينزل بي من عذاب الله إن أصابني.

قوله: {هو أعلم بما تفيضون فيه} {تفيضون} من الإفاضة وهي الاندفاع - أفاضوا في الحديث أي اندفعوا فيه 2، والمعنى: هو أن الله أعلم ممن سواه بما تخوضون فيه من التكذيب بينكم لهذا القرآن - أو بما تقولونه فيه من الافتراء الباطل.

قوله: {كفى به شهيدا بيني وبينكم} {شهيد} منصوب على التمييز، أي كفى بالله شاهدا علي وعليكم بما تقولونه من تكذيب لي فيما جئتكم به من عند الله، ومن افترائكم الباطل على القرآن، فالله جل وعلا يعلم أني صادق فيما جئتكم به وأنكم أنتم المبطلون {وهو الغفور الرحيم} الله يغفر الذنوب للتائبين عن الشرك والمعاصي - وهو الرحيم بعباده المؤمنين فيكتب لهم التوفيق و السعادة في الدنيا والآخرة.

قوله: {قل ما كنت بدعا من الرسل} أي ما كنت أول رسل الله الذين أرسلهم إلى الناس، فقد كان من قبلي مرسلون كثيرون أرسلهم الله إلى أمم مختلفة من قبلكم فلا ينبغي أن تنكروا إخباري بأني رسول الله إليكم، ودعائي لكم أن تفردوا الله وحده بالعبادة والإذعان، فإن الرسل جميعا إنما بعثوا من أجل ذلك - وقيل: كان المشركون يعيبون الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وبأن الذين اتبعوه هم من الفقراء، فبين الله لهم أن المرسلين كلهم كانوا على هذه الصفة ولا يقدح ذلك في نبوته وصدقه فيما يقوله لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت