فهرس الكتاب
وكان عليه السلام بالغا في تسامحه وإحسانه؛ فقد عفا عنهم وصفح؛ إذ خاطبهم {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ} {تثريب} اسم لا النافية للجنس - و {عليكم} خبرها - والتثريب: اللوم والعتب والتأنيب، أو التعبير بالذنب 100 - والمقصود: أن يوسف عليه السلام أجابهم بسجيته الكريمة وطبعه المتسامح والودود، وخلقه العظيم المفضال: إنه لا لوم عليكم ولا تعبير ولا عقوبة، فلا أقربكم اليوم ولا في غيره من الأيام بتعبير أو عتب {يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ} دعا الله لهم بالمغفرة والستر لما فرط منهم من خطيئة أو ذنب {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} بعد أن دعا الله لهم بالمغفرة والإحسان أثنى على الله بما هو أهله؛ إذ اخبر عن صفة من صفات الله وهي أنه تعالى أحرم الرحمين؛ فهو سبحانه بفيض رحمته وجميل فضله وإحسانه يتجاوز عن المسيئين والمذنبين والخاطئين 101.
قوله تعالى: {اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ 93 وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ 94 قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ} القميص: الذي يلبس، جمعه قمصان وأقمصة 102، والقميص هنا من ملبوس يوسف - والباء فيه للحال؛ أي اذهبوا مصحوبين له أو ملتبسين به - وقيل: الباء للتعدية؛ أي أذهبوا قميصي بمعنى احملوا قميصي - والمراد: أن يوسف أمر إخوته أن يذهبوا بقميصه فيلقوه على وجه أبيه يعقوب، وكان قد عمي من فرط البكاء.
قوله: {يَأْتِ بَصِيرًا} سيصير بإلقاء القميص على وجهه بصيرا بعد ما عمي - {بصيرا} ، منصوب على الحال 103؛ فقد صار يعقوب بصيرا بتقدير الله وإرادته - لا جرم أن هذه واحدة من جملة معجزات حسية يؤتاها نبي عظيم كيعقوب عليه السلام - وما يعز على الله أن يفعل ذلك أو أعظم منه؛ فهو سبحانه بيده مقاليد الكون كله وما فيه من قوانين ونواميس وأشياء ومقادير.
قوله: {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} {أجمعين} ، تأكيد - ويجوز أن تكون حالا 104؛ فقد أمرهم يوسف أن يبرحوا موطنهم في بلاد الشام ليأتوا غليه في مصر - والمراد بأهلهم هنا: بنو يعقوب جميعا وذريتهم - وقيل: كانوا سبعين وقيل: كانوا ثمانين، وقيل غير ذلك؛ فقد حلوا بمصر في كنف النبي الكريم ابن الكريم ابن الكريم فنموا وتناسلوا حتى خرج من ذريتهم من موسى عليه السلام ستمائة ألف - أولئك الذين أنجاهم الله من ظلم فرعون، وفلق لهم البحر فمضوا فيه طريقا يبسا سالمين آمنين.