فهرس الكتاب

الصفحة 1058 من 2536

قوله: {وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل} فقد أعد المنافقون هذا المسجد كيما يكون لهم موضعا يتربصون فيه بالمسلمين وينطلقون منه للإفساد والتخريب، وليثيروا بين المسلمين الفرقة والشك والاختلاف، وليكون لهم ذريعة للاجتماع والتلاقي بين المنافقين والحاقدين الذين حاربوا الله ورسوله {من قبل} أي من قبل أن يتخذ هذا المسجد.

قوله: {وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون} ليحلفن، جواب قسم مقدر؛ أي: والله ليحلفن - وقوله: {إن أردنا} جواب لقوله: {وليحلفن} .

وقوله: {إن} أداة نفي - ولذلك وقع بعدها {إلا} و {الحسنى} ، صفة لموصوف محذوف؛ أي الخصلة الحسنى، أو إلا لإرادة الحسنى، وهي الصلاة 199.

هؤلاء المنافقون يحلفون، كاذبين أنهم ما قصدوا من بناء هذا المسجد إلا الحسنى وهي الصلاة والتوسعة على أنفسهم وعلى الضعفاء والعجزة من الناس الذين يعجزون عن المسير إلى مسجد قباء لضعفهم وشدة المشقة عليهم في ذلك.

هكذا يحلف المنافقون، وهم يعلمون أنهم كاذبون؛ يحلفون أن قصدهم الخير والتوسعة لكن الله جل وجلاله، هو علام الغيوب، كاشف الأسرار والخبايا، الخبير بما في القلوب من الخفايا {يشهد إنهم لكاذبون} وكفى بهذه الشهادة الكبرى من رب العالمين الشهادة التي تتضاءل دونها كل الشهادات؛ شهادة ربانية مجلجلة تهتف بأن هؤلاء المنافقين كاذبون، فهم في الحقيقة إنما يبتغون من بناء مسجدهم هذا إشاعة الظنون والاختلاف والفوضى بين المسلمين ليميتوا عليهم دينهم وليبددوه تبديدا - وهذا هو دأب المنافقين وديدنهم في كل زمان؛ سواء في زمت التوبة المباركة والأزمنة المتعاقبة بعدها؛ فالنفاق هو النفاق؛ والمنافقون على حالهم وطبيعتهم من فساد الضمائر وخبث القلوب والمقاصد، واشتداد الحسد والكراهية للإسلام والمسلمين.

والمنافقون وأعوانهم يلتئمون في كل زمان ليدبروا للمسلمين شر المكايد بكل الأساليب حتى وإن بلغ بهم سوء الكيد والتخطيط أن يصطنعوا للمسلمين مسجدا يستترون - فيخفون مكرهم ونفاقهم، وليسلكوا من خلاله سبيل التربص بالمسلمين والطعن في دينهم.

قوله: {لا تقم فيه أبدا} أي لا تصل فيه أبدا - والقيام يراد به هنا الصلاة؛ فقد نهي نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن الصلاة في هذا المسجد المريب الذي بناه المنافقون لإضعاف المسلمين والطعن في دينهم وإيقاع الخلاف بينهم - وفي مقابل ذلك يحض الله ورسوله والمؤمنين على الصلاة في مسجد قباء أو كل مسجد بني طاعة الله وإخلاصا لدينه العظيم فقال سبحانه: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم في} اللام، لام الابتداء - وقيل: للقسم؛ أي: والله {لمسجد أسس} الآية - وعلى الوجهين فمسجد مبتدأ، والجملة بعده صفته.

والخبر، الجملة بعده {أحق أن تقوم فيه} و {أحق} ليس للتفضيل بل بمعنى حقيق؛ فإنه لا مفاصلة بين المسجدين، وهما مسجد النفاق ومسجد التقوى 200، وهذا أحق أن يصلي فيه الرسول والمسلمين لتأسيسه من أول يوم على الطاعة والإخلاص والتقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت