فهرس الكتاب

الصفحة 1509 من 2536

هكذا البشرية في غالبها، لاهية تمام اللهو عن تدبر هذا الكتاب المعجز الحكيم - غافلة تمام الغفلة عن وعيه وإدراك ما حواه من جليل القيم والمبادئ وقواعد الحق والعدل، وحميد الخصال والخلال - والقرآن بسوره المختلفة، وآياته المثيرة، وأسلوبه المذهب، وروعته التي ملكت القلوب والألباب - هذا القرآن بكل ظواهره من الكمال والجمال، يتلى في غالب الآناء ومختلف المجالات والأحوال، لكن الناس يستمعون إليهم وهم غافلون لاهون، مشدودون للدنيا وما حوته من إغراءات وشهوات وفتن.

قوله: (وأسروا النجوى الذين ظلموا) (الذين) ، في موضع رفع على البدل من واو الجماعة في قوله: (وأسروا) وقيل: خبر لمبتدأ محذوف وتقديره: هم الذين ظلموا - وقيل: فاعل أسروا - وذلك على لغة من قال: أكلوني البراغيث: وقيل: في موضع جر على أنه نعت للناس 1 والمعنى: أن الذين ظلموا وهم المشركون- تناجوا فيما بينهم بالتكذيب قائلين خفية: (هل هذا إلا بشر مثلكم) يعنون بهذا رسول الله (ص) ؛ أي هل هذا الذي يدعوكم إلى دينه ورسالته التي جاء بها إلا بشر مثلكم لا يتميز عنكم بشيء - فهو يفعل ما تفعلون، إذا يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق.

قوله: (أفتأتون السحر وأنتم تبصرون) قالوا على سبيل الإنكار التوبيخي: أتجيئون إلى محمد وتتبعونه وأنتم تعلمون أن ما جاء به سحر، أو تتبعونه وأنتم تعلمون أنه إنسان مثلكم 2.

قوله تعالى: {قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (5) ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) } .

قال لهم الله مجيبا عما تناجوا به من الباطل: إن الله لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض؛ فهو عالم بما تناجيتم به من قول مفترى، وظلم مقبوح خفي، ويعلم ما تخفيه صدورهم من مكنون.

قوله: (بل قالوا أضغاث أحلام) (أضغاث) جمع ضغث ومعناه القبضة من الحشيش المختلط رطبه بيابسه - وأضغاث الأحلام، يعني الرؤيا التي لا يصح تأويلها لاختلاطها 3 - لقد قال المشركون عما يأتي رسول الله (ص) من وحي: إنه أخلاط كالأحلام المختلطة - ثم أضربوا عن قولهم إنه تخاليط أحلام رآها في نومه، إلى قولهم: (بل افتراه) أي ما جاءهم به محمد (ص) إن هو إلا كلام مفترى - ثم أضربوا عن قولهم هذا إلى قوله: (بل هو شاعر) هكذا كان المشركون الظالمون - كانوا متلجلجين حيارى في أقوالهم - مترددين في افتراءاتهم وأباطيلهم الظالمة عن حقيقة هذا النبي الكريم.

فما كان يأتي النبي (ص) غير الوحي الصادق الأمين المنزل من السماء؛ إذ كان يأتيه بالسورة أو الآيات - فما كان جبريل يبرحه إلى السماء حتى ترسخ في قلبه آيات الرحمن رسوخ الرواسي ليتلوها بعد ذلك على الناس؛ فإذا هي منظوم رباني فذ ليس له في كلام العالمين شبيه ولا مثيل، فأين ذلك من أهاويل الرؤية المختلطة في المنام؟!

ولئن قالوا افتراه أو اختلقه من عنده، فما بين القرآن وحديث الرسول (ص) من سعة البون وهائل المباينة والاختلاف مثل الذي بين السماء والأرض أو أكبر؛ فإن الحديث والقرآن، من حيث روعة النظم وعجيب الأسلوب، لمختلفان بالغ الاختلاف؛ فأنى بعد ذلك لغاشم جهول أن يزعم أن القرآن من صنع محمد (ص) ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت