هؤلاء المشركون الضالون مكابرون معاندون في كفرهم وإشراكهم، وهم موقنون في قرار أنفسهم بأن الله حق، وأنه خالق كل شيء، وأنه إله العالمين، ولو سألهم الرسول صلى الله عليه وسلم {مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} يقرون في أعماق قلوبهم أن الله خلق السماوات والأرض - وهم مع ذلك يعبدون معه آلهة أخرى مصنوعة لا تضر ولا تنفع ولا تغني ولا تشفع.
قوله: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} الله المحمود في خلقه، وله الشكر والثناء على ما أنعم به على عباده وتفضل، وليس لما تتخذونه من آلهة مصنوعة ومزعومة.
قوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أكثر الكافرين لا يعلمون الحق، ولا يتدبرون الصواب فهم ساهون غافلون موغلون في الضلالة والجهالة والباطل جريا وراء الهوى والشهوات.
قوله: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الله مالك كل شيء، وبيده مقاليد السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن.
قوله: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} الله غني عن العالمين وعن عبادة الخلق له - وهو سبحانه {الْحَمِيدُ} أي المحمود في العالمين على ما أنعم به على عباده 31.
قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} .
سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالت: يا محمد، كيف عُنينا بهذا القول {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} ونحن قد أوتينا التوراة فيها كلام الله وأحكامه، وعندك أنها تبيان كل شيء؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"التوراة قليل من كثير"والآية مدنية 32.
والمعنى: لو أن جميع الأشجار جُعلت أقلاما ثم جُعل البحر مدادا، وأمدّه معه سبعة أبحر، فكتبت بها كلمات الله لتكسرت الأقلام ونفذت مياه البحار ولو جيء بأمثالها مدادا - والمراد بكلمات الله علمه بحقائق الكون والأشياء - وقيل: أسماؤه الحسنى وصفاته العظمى وكلماته التامة - والأول أظهر {والبحر} يقرأ بالرفع والنصب - أما الرفع على أن تكون الواو، واو الحال - والبحر مبتدأ، وخبره {يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} والجملة في موضع نصب على الحال، وأما النصب فبالعطف على {مَّا} وقيل: منصوب بتقدير فعل - وتقديره: يمد البحر يمده 33.
قوله: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} الله قوي قاهر لا يغلبه غالب، وهو منتقم من الظالمين المعرضين عن دينه، السادرين في الغي والكفر - وهو سبحانه حكيم في أفعاله وأقواله وتدبيره شؤون خلقه.
قوله: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} لا يعز على الله أن يفعل ما يشاء ولا يتعذر عليه صنع ما يريد؛ فهو خالق الخلق وباعثهم يوم القيامة، وذلك عليه هين ويسير؛ و {مَّا} ابتداء الخلق جميعا إلا كخلق نفس واحدة، وما بعثهم من الممات يوم تقوم الساعة إلا كبعث نفس واحدة.