وبعد هذا البيان المفصل عن إفسادتي بني إسرائيل في الأرض - وتسليط الله الظالمين عليهم؛ ما ينبغي لأحد أن يستدل من هذه الآيات على ان العقوبة الأخرى جزاء إفسادتهم الثانية لم تقع بعد - والصواب أن الإفسادتين الاثنتين قد وقعتا وقد أحل الله فيهم بسببها سخطه وغضبه فعذبهم بالتقتيل والإهلاك والسبي مرتين على أيدي العتاة المتجبرين من الأمم السابقة - أما الظن بأن العقاب الثاني كائن على أيدي المسلمين: فما نرى هذا إلا زعما خاطئا - ووجه الخطأ فيه: أن الذين توعد الله ببعثهم وهم أولوا البأس الشديد، عتاة ظالمون سيجوسون خلال الديار إهلاكا وتدميرا، فضلا عن دخول المسجد ليعيثوا فيه إفسادا وتخريبا - ويتجلى مثل هذه المعاني في قوله سبحانه: (وليتبروا ما علو تتبيرا) أي ليدمروا وليخربوا ما غلبوا عليه - ومما هو معلوم من أحكام الحرب في شريعة الإسلام أن المسلمين في قتالهم الكافرين ليسوا أهل تخريب أو إفساد ولا هم كغيرهم من الظالمين الذين يعيثون في البلاد ظلما وإهلاكا بغير حق - وما شأن المسلمين في حرب أعدائهم الكافرين إلا أنهم دعاة خير وسلام وعمران ومرحمة - لا جرم أن المسلمين في كل الأحوال ليسوا إلا أصحاب رسالة سماوية عليا يرومون نشرها في الآفاق بالمودة والحجة والحكمة والصدق - فالمسلمون في ذلك كله أشد الخليقة رحمة بالخليقة - وأعظم الناس تحنانا ورأفة بالعباد.
وما ينبغي التنبيه إليه هنا أن الوعيد من الله الذي يتهدد به يهود، قائم ماثل أبد الدهر؛ فهو وعيد غير قابل للنسخ أو الزوال، يتجلى في قوله سبحانه: (وإن عدتم عدنا) أي إن عدتم إلى الفساد والخراب والظلم عدنا لتعذيبكم وكسر شوكتكم وإذلالكم - وكذلك قوله تعالى: (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) فالله يبعث على بني إسرائيل كلما ظلموا وأفسدوا من يسومهم العذاب من متلف الشعوب والأمم ولئن بعث الله عليهم المسلمين ليعذبوا وليظهروا عليهم فما يكون المسلمون مخربين أو مفسدين أو ظالمين عتاة - وما كان شأنهم أن يظلموا الناس فيقتلوا الأطفال والأبرياء من الشيوخ والنساء والضعفاء - أو يعيثوا في البلاد هدما وتحريقا وهتكا - فما مثل هاتيك الفعال المرذولة والمظالم البشعة إلا ديدن الطغاة والمستكبرين والمتجبرين من طواغيت البشرية من أمثال بختنصر وسناريب وهولاكو وجنكيز خان وهتلر وستالين وغيرهم من عتاة الوثنيين والاستعماريين والصليبيين.
قوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذابا أليما (10) } هذه شهادة عليا من الله جل جلاله تفوق كل الشهادات يؤكد فيها سبحانه أن قرآنه الحكيم يدل البشرية (للتي هي أقوم) أي للصواب والحق - أو لأقوم الحالات وأسدها، أو لخير الطرق والملل والشرائع - والمراد بذلك دين الإسلام، القائم على الاعتدال والتوازن والوسط الذي يلائم الطبيعة البشرية، ويناسب كل ما بني عليه الإنسان من استعدادات فطرية ومركبات نفسية وروحية وجسدية - فما من ملة ولا شريعة ولا عقيدة ولا نظام يناسب فطرة الإنسان وكل ميوله واستعداداته على خير شاكلة من التكامل والاعتدال سوى الإسلام - هذا الدين القائم على الحق والعدل والسداد، بعيدا عن الشطط، ومجانبا للإفراط والتفريط.