قوله: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} المراد بهم المنافقون أو المشوكون أو اليهود، أو جمع هؤلاء؛ فإنهم يسمعون بآذانهم ولا يفضي السماع إلى قلوبهم؛ فلم يتعظوا بما سمعوا ولم يدكروا، فكأنهم لم يسمعوا البتة، فهم والذين لم يسمعوا البينات والحقائق سواء - والأصل في أولي الفطر السليمة والطبائع التي لم تفسدها أفاعيل الشياطين من الجن والإنس أن يبادروا فيستجيبوا لكلمات الله - الكلمات الباهرات العذاب، ذلت الروعة الجلية النفاذة إلى أعماق الكينونة والقلوب - لكنهم لما لم يستجيبوا إلى كلمات الله الندية البالغة، استبان أنهم قوم (بور) لا خير فيهم ولا جدوى من وعظهم أو سماعهم فكأنهم لم يسمعوا بحال.
قوله: {إن شر الدواب عند الله الصم والبكم الذين لا يعقلون} الدواب، جمع دابة وهي ما دب على الأرض - وكل حيوان في الأرض دابة - وهي تطلق على الذكر والأنثى 27 والصم جمع أصم، وهو من الصمم - وهو آفة في الأذن تحول دون السمع - والبكم جمع أبكم وهو الأخرس بين البكم 28، فقد سبه الله هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ويغمضون أعينهم عن آيات الله وما فيها من الدلائل والبينات ثم لم يؤمنوا ولم يتعظوا -بالدواب، وهي البهائم التي تمشي على الأرض بدبيبها الثقيل الذي ينبئ بحيوانيتها وانتفاء فمهما وإدراكها.
هؤلاء الظالمون المظلون الذين استكبروا عن آيات الله ومنهجه، لهم أكبر شرا في الأرض مما سواهم من الدواب العجماوات؛ لأنهم صم وبكم لا يسمعون الحق ولا يتدبرونه ولا يتعظون به فهم بذلك كالأنعام بل هم أضل.
قوله: {ولو علم الله فلهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} ذلك إخبار من الله أن هؤلاء الظالمين المضلين لا خير فيهم، فإنهم الختم الذي غشي قلوبهم صاروا غير مستعدين لاستقبال الحق والهداية والاستماع لآيات الله في تدبر وادكار - ولو كان الله يعلم أنهم يصلحون بما يأتيهم من الحجج والآيات لأسمعهم سماع تفهم وقبول - ولو أن الله أسمعهم ما انتفعوا بما سهوا - وهو قوله: {لتولوا وهم معرضون} أي لأدبروا معاندين جاحدين مستكبرين عن الحق بهد ما ظهر لهم واضحا بلجا - وقيل: كان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: احي لنا قصيا؛ فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك بالنبوة فنؤمن بك - فقال له هز وجل: {ولو أسمعهم} أي كلام قصي {لتولوا وهم معرضون} 29.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحيكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقبله وأنه إليه تحشرون} .