فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 2536

103 - (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)

قوله: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) اعتصموا من العصمة، وهي المنع - عصمه الطعام أي منعه من الجوع - والعصمة أيضا تعني الحفظ - اعتصم بالله أي امتنع بلطفه من المعصية - واستعصم بكذا إذا تقوى وامتنع 187.

الله جل جلاله يأمر عباده المسلمين أن يتعصموا، أي يتمسكوا بحبله، والحبل في اللغة فهو السبب الذي يوصل به إلى البغية والحاجة؛ ولذلك سمي الأمان حبلا؛ لأنه سبب يوصل إلى زوال الخوف، والنجاة من الجزع والذعر.

والمراد بحبل الله في الآية العهد - وقيل: الجماعة - وذهب آخرون إلى أنه القرآن وهو عندي الأظهر والأقوى - لما يعزز ذلك من خبر عن علي مرفوعا في صفة القرآن قال:"هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم"وورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض".

وفي حديث آخر عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه"188.

قوله: (ولا تفرقوا) ذلك نهي من الله لمسلمين عن التفرق، وهو التبعثر والشقاق والاختلاف فيما بينهم في الدين - وليس المراد الاختلاف في الأقوال والآراء التفصيلية لأحكام الشريعة، فذلك مرغوب لا بأس فيه، ولكن المراد اختلاف القلوب تبعا لاختلاف الأهواء الذاتية والمصالح الشخصية بما يفضي إلى زوال الألفة والاجتماع بين المسلمين وما يوقع بينهم العداوة والبغضاء والمشاحنة وإثارة الفتن والحروب.

إن قول الله: (ولا تفرقوا) يظل نداء مستديما وقائما يهتف بالمسلمين طوال الدهر أن لا تتفرق كلمتهم، وأن لا تتبعثر قلوبهم، وأن لا تتشتت جماعتهم، وأن يحذروا دائما من دعاة السوء والمكر والتخريب من الأعداء الذين يتربصون بهم الدوائر ليوقعوا بينهم الضغائن والفتن فتضعف وحدتهم ويتمزق شملهم؛ ليسهل على المجرمين والطغاة الطامعين من استعماريين وصليبيين ووثنيين وملحدين وصهيونيين- افتراسهم والاستحواذ عليهم - لا جرم أن التفرق داء وبيل ومدمر يوهن المسلمين ويودي بهم إلى التفكك والانهيار والسقوط في براثن الشياطين من شرار البشر، إنه لا مناص للمسلمين إذ ابتغوا لأنفسهم العزة والمنعة والسلطان وتحصيل السعادة في الدارين- من الاجتماع في وحدة حقيقة واحدة - وحدة متماسكة متينة تجتمع فيها قلوبهم وأهواؤهم حول حقيقة واحدة كبرى، وذلكم هو الإسلام، دون غيره من الأديان والملل أو العقائد والفلسفات والمبادئ المختلفة.

وفي التحذير من الافتراق والاختلاف روي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة - وإن أمتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة"فقيل: يا رسول الله وما هذه الواحدة؟ قال: فقبض يده وقال:"الجماعة واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت