وفي هذه الآية برهان على أن الشهداء باقون أحياء، وأنهم لا يموتون، كقوله تعالى في آية أخرى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) فهم دائمو الحياة بعد مقتلهم، وذلك على كيفية لا نعلمها نحن - وما نجاوز في العلم غير هذا الحد الذي بينته الآية هنا - وهو أن الذين يقتلون في سبيل الله أحياء غير أموات - أما تفصيل ذلك وبيان كيفيته فما أحاطنا القرآن من علم ذلك شيئا - فقال سبحانه: (ولكن لا تشعرون) لا ندري كيف يظلون أحياء - وفي صورة أو كيفية - وما نوع الحياة التي جعلت لهم بعد الفوز بالشهادة، فهل هي حياة كحياتنا في هذه الدنيا، أم هي حياة من جنس آخر؟.
قوله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) البلاء معناه المحنة، والابتلاء هو الامتحان والاختبار 148 - ذلك أن الله يؤكد لعباده المؤمنين أنهم لا بد مبتلون وأن الله ممتحنهم بضروب من الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات - وكل صورة من صور البلاء هذه نقضّ الإنسان وتنال من عزمه وراحته إلا أن يعتصم برباط العقيدة ليزداد يقينا وثباتا، ثم يجد من سلاح الصبر ما يحقق له الأجر وعظيم الجزاء - والله جلت قدرته يبتلي عباده المؤمنين بشيء من هذه البلايا وليس بها جميعها فهو سبحانه يبتلي عبده بشيء من الخوف أي كان مصدره أو سببه، ثم بشيء من الجوع وهو قاس وأليم يُسام الإنسان به مرارة الطوى - ثم بنقص من الأموال كيفما كانت صورة هذا الانتقاص، سواء بالجدب والقحط عقيب احتباس المطر، أو نتيجة لجائحة من الجوائح تأتي على الزروع والثمرات، أو بسبب فناء يعصف بالماشية والأنعام، أو كساد يصيب أموال التجارة فأفضى بها إلى الفساد والخسارة.
وكذلك يبتلي الله عباده المؤمنين بمصيبة الموت، كأن يموت للمؤمن قريب أو حبيب يثير فيه بالغ الحزن والأسى.
ويبدو من صيغة التأكيد (لنبلونكم) والتي ترد في معنى القسم أن من سنة الله أن يُبتلى المؤمنون في أمنهم بالخوف، وفي قوتهم بالجوع، وفي أموالهم وثمراتهم بالنقصان والخسران، ثم في أنفسهم بالموت؛ ليكون في ذلك امتحان عسير يمحص الله به المؤمنين الصابرين، أو يميز الثابتين الأقوياء من الضعفاء الخائرين الذي يجزعون في الشدة ويتملكهم الروع والهلع.
ثم يأمر الله نبيه (ص) أن يبشر الصابرين بجزيل الثواب وعظيم الأجر على صبرهم واحتمالهم دون أن يميلوا أو يتزعزعوا.
156 - (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)
وقوله: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) أولئك هم الصابرون الذين يبشرهم الله على لسان نبيه الكريم، والذين يبادرون بكلمة الحق التي تعلن الولاء الكامل لله والإقرار المطلق بأنه سبحانه مالك كل شيء؛ فهو مالك الناس والأموال والخيرات والثمرات، وأنه ما من شيء إلا هو راجع إليه وذلك في يوم حافل معلوم - يوم تتلاقى فيه الأحياء جميعا لتجد جزاءها والحساب.