فهرس الكتاب

الصفحة 1560 من 2536

وأصحاب مدين، وقوم موسى؛ لقد كان هؤلاء غُلاة في التكذيب والمعاندة والإعراض عن دين الله، عتاة غلاظا في تعذيب المؤمنين وإذلالهم - لكن الله المنتقم الجبار لا يغفل عما يفعله الظالمون المجرمون من فظائع الكفر والجحود والتنكيل بالمؤمنين؛ بل إن الله يملي لهم حتى إذا جاء الأجل أخذهم أخذ عزيز مقتدر - وفي الخبر:"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"وهو قوله سبحانه: (فأمليت للكافرين ثم أخذتهم) أي أنظرتهم وأخرت عنهم العقاب (ثم أخذتهم) بالإهلاك والتدمير (فكيف كان نكير) استفهام تقريري؛ أي كيف كان إنكاري عليهم بتغيير الحياة هلاكا، والعمارة خرابا، والنعمة نقمة ومحنة.

قوله: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة) أي كم من قرية أهلكناها وهي متلبسة بالظلم وهو الكفر أو الشرك (فهي خاوية على عروشها) (خاوية) بمعنى ساقطة؛ أي خرت سقوفها على الأرض وتهدمت حيطانها بالكلية، أو أنها أصبحت خالية من الأهل والسكان، إذا فسرت خاوية بالخالية.

قوله: (وبئر معطلة) أي متروكة فلا يستقى منها لهلاك أهلها - أو خالية من أهلها لهلاكهم - (وقصر مشيد) محكم ومجصص بالشيد، فصار خاليا من الأهل والسكان - وقد جعل الله ذلك عبرة لمن يعتبر والمراد أن هذه الديار كانت عامرة بأهلها حيث الساكنون، والمباني، والعمارة، والحركة لكن أهلها بكفرهم وظلمهم وتكذيبهم المرسلين أخذهم الله فدمر عليهم تدمير، فلم يبق بعدهم غير آثارهم التي دلت عليهم.

قوله: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو أذان يسمعون بها (46) } الخطاب عن المشركين من أهل مكة - والاستفهام للإنكار؛ لأنهم كانوا يرحلون في تجاراتهم وأسفارهم فيمرون بهذه القرى الدارسة الهالكة فلم يتعظوا أو يعتبروا، فأنكر الله عليهم عدم اعتبارهم أو اتعاظهم، أو أن المراد حثهم على السفر ليروا مصارع الأمم الدارسة فيذّّكروا ويعتبروا.

قوله: (فتكون لهم قلوب يعقلون بها) أي يعقلون بقلوبهم ما يجب أن يعقل من توحيد الله وقدرته وأنه خالق كل شيء - والآية تدل على محل العلم هو القلب - وبذلك فإن القلب آلة لهذا التعقل (أو آذان يسمعون بها) أي يسمعون بآذانهم ما يجب أن يُسمع من التذكير والعبرة مما يشاهدونه من آثار الأمم الخالية الدارسة.

قوله: (فإنها لا تعمى الأبصار) أي لا تعمى أبصار العيون، فإنها قائمة تبصر وترى (ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) أي أن القلوب عمي عن درك الحق والذكر - ومعلوم أن القلوب محلها الصدور - وفائدة ذكرها في الصدور، الزيادة في البيان - والمقصود: أن الخلل ليس في عيون هؤلاء المشركين المعرضين، فعيونهم ناظرة مبصرة؛ بل إن الخلل في قلوبهم بما أصابهم من التواء وتبلّد ومرض، فباتت لا تتدبر أو تتعظ، ولا ترق أو تلين 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت