فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 2536

المراد بالكاتمين لما أنزل الله هم اليهود، فقد أخفوا حقيقة الرسول محمد (ص) وصفته التي كانت مكتوبة عندهم في التوراة - وكان من أمانة الصدق والتبليغ أن يبينوا للناس أن هذا هو نبي الأمة، وأنه صادق أمين قد آتاه الله الوحي، لكنهم أنكروا ذلك بالكلية وكتموا في صدورهم خبر الرسالة المحمدية، وذلك في مقابل ما اشتروا به ثمنا قليلا - والثمن القليل هو جنوحهم للرياسة وعلو المكانة، فقد كانوا يتصورون أنهم موضع اعتبار وتكريم، فخشوا بذلك على مكانتهم أن تهون إذا أظهروا صدق الكتاب الحكيم"القرآن"أو اعترفوا بنبوة محمد (ص) .

ومما يذكر أيضا أن اليهود كانوا يستفيدون من قريش عطاء ماليا بخسا وهو ما كانوا يأخذونه على هيئة رشا وهدايا عوضا لتملقهم إليهم وإطرائهم والثناء عليهم وكذلك الإعلان في صراحة أن العرب المشركين خير من محمد وأتباعه، وأنهم وما يعبدون على حق وصدق - وأن المسلمين على الباطل.

ذلك هو اشتراؤهم بدينهم وكتابهم ثمنا قليلا - فقد أعطوا كثيرا إذ فرطوا في دينهم وكتابهم، وأخذوا بدلا من ذلك ثمنا بخسا على هيئة عطايا أو هدايا أو رشاء.

وذلك ثمن حرام بخس أخذوه بدل تفريطهم في دينهم وكتابهم، فكان بذلك أن جزاءهم النار يأكلونها في بطونهم لتنصهر بها الأحشاء والأمعاء والحوايا وليذوقوا وبال أمرهم جزاء افترائهم على الله وممالأتهم للمشركين كذبا وملقا وزورا.

وكذلك فإن الله سبحانه لا يكلمهم يوم القيامة - أي يحيطهم بغضبه فلا يرضى عنهم (ولا يزكيهم) أي لا يجعلهم مع الطاهرين الأزكياء ولا يثني عليهم خيرا، بل إن الله قد أعد لهم عذابا مؤلما وهو العذاب الذي ليس له في صورة العذاب مثيل، لا في الإيلام، ولا في الإيجاع، ولا في التحريق - فإنه العذاب المخوف الذي تجتمع فيه كل أسباب الهوان والتعس والإيلام من إذلال وخزي أو تحريق وإصلاء او تعذيب بالسم والجوع أو إطعام بما لا ينفع ولا يغني من جوع كالزقوم والضريع والغسلين، والعياذ بالله من ذلك كله.

وقوله: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة) (أولئك) اسم إشارة في محل رفع مبتدأ وخبره الاسم الموصول (الذين) في محل رفع، والجملة الفعلية بعده صلة الموصول.

المراد باسم الإشارة (أولئك) هم اليهود الذين اعتاضوا عن الاستقامة وقول الحق والعدل والالتزام بشرع الله ودينه، بالزيغ والانحراف إذ كذبوا على الله بنكرانهم نبوة محمد (ص) وتحيزهم إلى فئة المشركين - وذلك هو اشتراء الضلالة وهي الكفر والانحراف والتحيز للشرك والباطل، ودفعوا بدل ذلك عقيدتهم وملتهم إذ زيفوهما تزييفا وبدلوهما تبديلا - ومثل هذا التزييف أو التبديل أو الانحراف يؤول بهؤلاء المشركين إلى عذاب الله بدلا من مغفرته.

وقوله: (فما أصبرهم على النار) ما تفيد التعجب والتقدير: شيء أصبرهم - أصبر فعل ماض مبني على الفتح والضمير المتصل في محل نصب مفعول به - والميم للجمع وما في محل رفع مبتدأ، وما بعدها خبر 171 - والآية تبين فظاعة العذاب الأليم الذي يحترق فيه هؤلاء المشركون الضالون - وهم حين يلجون النار يُكبكبون فيها تكبكبا وهم داخرون مقهورون - حتى إن من يبصرهم وهم يتقاحمون في النار يمتلكه العجب المدهش لصبرهم على النار المتأججة المستعرة التي تصهر الجبال فكيف بالجلود والأبدان؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت