ولذلك فقد تعس من استعان بغير الله من الشياطين - لقد تعس تعسا مذهلا بما تنطوي عليه من إهلاك وتخسير - أجل إنه تعس وانتكس وإلى الدركات في الجحيم قد ارتكس!!.
قوله: (يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) يعد الشيطان أتباعه بكل ضروب الخير والأهواء كالمال والرياسة والشهرة ونحو ذلك، وأنهم سوف يحظون بكل ما يتمنّونه من مثل هذه الخيرات بما يرضي فيهم الميول والرغائب - لكن الحقيقة التي تغيب عن أذهان هؤلاء الأتباع المغفلين أن ما يعدهم به الشيطان من عطاء وتمنيات ليس إلا غرورا تنخدع به نفوسهم الهلوعة المخدوعة - والغرور بالضم، معناه الباطل وبذلك فإن ما يعد الشيطان به أتباعه ويمنّيهم به ما هو إلا افتراء منه وباطل.
وهم بالتالي مصيرهم الهلاك والتخسير وأنهم صائرون إلى جهنم لا محالة وليس لهم من دونها محيص - والمحيص من الفعل حاص واحتاص ومعناه لجأ أو تحفّظ، والمحيص هو الملجأ أو الملاذ أو المناص الذي
يلجأ إليه الثاوي حفاظا على نفسه من الضر والأذى.
وقوله: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا) أولئك هم ذوو الحظ العظيم ورثة جنة النعيم وهم الذين آمنوا ثم اقترن إيمانهم بالعمل الصالح - وذلك هو شرط الفلاح والنجاة أن يقترن الإيمان العميق بالعمل في طاعة الله جل وعلا، ذلكم هو التكامل الحقيقي في شخصية المسلم أن تجتمع في قلبه أركان الإيمان فتحيط بشغافة كله، مع العمل النافع الصالح الذي يتحقق عن طريق الحس والجوارح سواء باللسان أو اليدين أو القدمين أو غير ذلك من أعضاء البدن التي تتسخر طيّعة نشطة للعمل بما يرضي الله.
هؤلاء الذين اطمأنت قلوبهم بالإيمان ثم سعوا في الأرض جادين عاملين، أولئك الذين وعدهم الله أحسن تأويل وخير عاقبة، حيث النعيم والمقيم في جنات الله الخوالد، حيث الأنهار التي تجري سائحة فيّاضة وهي تطوي معها الخير وروعة البهاء والجمال، والمؤمنون حينئذ آمنون محبورون تحفّ بهم الخيرات والبركات من كل جانب وتحف بهم الملائكة بالسلام الميمون ثم تجليهم إشراقة البركة والنور من الله التي تسري في الكون كله لتبدّد منه الظلمات وتنشر في أرجائه الضياء والبهجة.
قوله: (وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا) وعد مفعول مطلق منصوب لفعل محذوف تقديره وعد - حقا، مصدر ثان مؤكد لغيره - أي حق ذلك حقا، وتبين الآية بأن قول الله صدق، ووعده حق، وهو سبحانه لا يخلف وعده ولا ريب أنه سبحانه أصدق الصادقين إذ ليس من أحد أصدق من الله (قيلا) أي قولا وهو منصوب على التمييز - وقد كان النبي (ص) يقول في خطبته إذا خطب"إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد (ص) "162.
قوله تعالى: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا) .