فهرس الكتاب

الصفحة 554 من 2536

وأما المتلفجات فمردها المتفلجة وهي من الفلج أو التفلّج ومعناه التشقيق والتقسيم - ونقول الأسنان المفلّجة أي المنفرجة - والمتفلجة هي التي تفرّج بين أسنانها بالصنعة والتكلف وهو حرام لما في ذلك من تغيير لخلق الله - ويندرج في هذا المفهوم الوصل وهو أن تصل المرأة شعرها وذلك أن تضيف إليه شعرا آخر يصبح به كثيفا - وفي ذلك يقول النبي (ص) فيما رواه مسلم:"لعن الله الواصلة والمستوصلة".

القول الثاني: المقصود بخلق الله هو دينه، فالتغيير هنا واقع على الدين نفسه، وذلك يستتبع تغييرا لما انطوى عليه الدين من أمور وتكاليف شرعية فيما يسوق بالتالي إلى المعصية - وذلك قول ابن عباس والنخعي وهو الذي اختاره الإمام الطبري في تفسيره.

القول الثالث: هو أن المقصود بالخلق هنا الفطرة التي فطر الله الناس عليها - والفطرة من الفعل فطر بمعنى خلق وأنشأ، فالفطرة هي الخلقة التي جاء عليها الإنسان أو هي طبيعة تكوين الإنسان من حيث خلقته النفسية والروحية.

والفطرة التي جاء عليها الإنسان هي الإسلام - فإن الله عز وعلا قد خلق ابن آدم على أساس من التدين الذي يسري في الصميم من أغوار النفس البشرية، ولا يجرؤ على جحود هذه الحقيقة إلا غبي مكابر أو زنديق أثيم - وليس في جحود هذه أو تغييرها إلا التغيير في خلق الله - ذلك أن الفطرة من خلق الله وأنها تتضمن الإسلام الذي يعني الامتثال والخضوع لله في دينه وشرعه - قال سبحانه في ذلك: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) وعلى هذا فإن إقامة الوجه للدين الحنيف لهي الفطرة عينها وهي الكيفية أو الكينونة التي خلق الله عليها الإنسان، وأي تلاعب في تصوّر هذه الحقيقة أو مجرّد التغيير فيها يعتبر تغييرا لخلق الله.

وفي السنة المطهرة ما يكشف عن هذه الحقيقة بجلاء لنعلم أن الإنسان قد خلق مسلما على الفطرة، إذ يقول النبي (ص) فيما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) :"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمّاء هل تجدون بها من جدعاء".

وأخرج مسلم بإسناده عن عياض بن حمّاد قال: قال رسول الله (ص) : قال الله عز وجل:"إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم".

وجملة ذلك أن الفطرة البشرية تتطابق تطابقا كاملا مع دين الإسلام وأن الالتزام بالإسلام في تعاليمه وشرائعه وتصوراته وعقيدته لهو الفطرة نفسها التي جاء عليها الإنسان والتي لا يجوز بحال أن تتغيّر فإن تغييرها يعني التغيير في خلق الله 161.

وقوله: (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا) الذي يلوذ بالشيطان ويركن إليه ليستمد منه العون والنصرة لهو الذي حاق به الخسران في الدنيا والآخرة.

وهذه حقيقة لا ريب فيها فقد نطق بها الكتاب الحكيم مثلما نتلوا الآن وكذلك قد صدّقها الحس من خلال الواقع والتجربة التي يمر بها الإنسان - ذلك أن الخروج على طاعة الله والانصياع لأمر الشيطان اللعين الرجيم لهو الخسارة الفادحة القاصمة التي تؤدي بالمرء إلى السقوط والتخسير - وهو تخسير غامر شامل يتناول من يذهل عن أمر ربه ليكون في دنياه تعسا شقيا متضانكا وهو يعاني من جراء ذلك أشد ألوان المعاناة من ضيق ومكابدة وقلق.

أما في الآخرة فلا جرم أن يكون الخُسران في الدنيا بالقياس إليه إلا هيّنا هزيلا حتى لكأنه لا يعدل شيئا - وهو خسران فظيع مريع لا يطيق احتماله بشر لهوله واشتداد تحريقه الأليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت