قوله: (لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا) وهو تأكيد إجرامي متوقح من الشيطان وهو يعصي أمر ربه في اجتراء مقبوح بأنه سيجهد في الغواية والإضلال ليفتل البشرية عن طريق الله ومنهجه إلى حيث الباطل والفساد وإلى حيث الغواية والضلالة في هذه الدنيا الفانية وفي تلك الأخرى الباقية - والنصيب معناه الحصة أو الحظ - والمفروض يعني المعيّن المقدّر - وذلك الذي أشار إليه إبليس وهو أنه سيجعل له جزءا ونصيبا من البشر المضلّل المخدوع بعد أن ينفث فيهم من تضليله وتوهيمه ليساقوا معه بالتالي إلى الجحيم فيكون وإياهم في العذاب سواء.
قوله: (ولأضلنهم ولأمنّينهم ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام) وذلك تأكيد منه آخر يتضمن تفصيل لكيفية الإغواء والإفساد تتبدى في كل من التضليل والتمني والأمر بالبتك - فهو بعدئذ استكبار جاحد متمرّد بأنه سيصرف البشر عن الهداية وعن منهج الله بكل الأسباب في الصرف والإغواء، سواء كان ذلك عن طريق الترغيب في المال والولد والجاه والسلطان أو طريق الترعيب من الموت أو الفقر أو غير ذلك من وجوه الصرف والغواية.
قوله: (ولأمنينهم) أي يسوّل لهم دوام التشبث بالأماني ليذهلوا بذلك عن الركون إلى الله وعن التوبة إليه في كل آن فتظل نفوسهم معلقة تتعلل بالآمال والتمنيات وتتشاغل عن ذكر الله وطاعته بمختلف ألوان التمني مثل طول البقاء أو الإكثار من المال والنسل أو الرغبة في وجاهة ظاهرة مرموقة، كل بما يهواه ويترجاه.
ثم يتطاول اللعين على ربه في حوار مذموم وهو يتوعد بالأمر بالبتك، ومعناه القطع 160 - والتشقيق وموضع ذلك الأنعام فيما يسمّى السائبة والبحيرة - فقد كان العرب يقطعون آذان هذه الأنعام أو يشقّونها ليظل ذلك سمة فيها بما يشير إلى أنها حظ الله - تعالى الله عن تلك السخافات والجهالات علوا كبيرا - وذلك من صور الشرك في بدائية وسوء تفكير التي كان العرب يتخيّلونها ثم يمارسونها في الواقع على هذه الكيفية الجاهلية السخيفة، وذلك كله بتأثير مصطنع يوحي به الشيطان إلى نصيبه من البشر المضلّل المخدوع.
قوله: (ولأمرنهم فليغيرن خلق الله) وقد ورد في المقصود بتغيير خلق الله عدّة أقوال نقتصر منها على ثلاثة وعلى المستزيد أن يراجع في ذلك كتب التفسير.
القول الأول: هو الإشارة إلى تغيير الخلقة طلبا لتحسين مصطنع وذلك كالوشم والتنميص والتفليج لما في ذلك من تكلف مبغوض تتغيّر به الخلقة التي قدّرها الله - وفي هذا أخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود قال:"لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله عز وجل".
والواشمة هي التي تفعل الوشم بأخرى، والمستوشمة التي يفعل بها الوشم - والوشم هو غرز الجسد بالإبرة ثم حشوه بالنيلج أو الكحل ليصير فيه رسوم وخطوط بقصد التزيين والتحسين.
أما المتنمصات فمردها المتنمصة وهو من التنمص أو النمص ومعناه أن تقوم المرأة باستئصال الشعر من وجهها بالمناص وذلك حرام.