فهرس الكتاب
من أجل ذلك كله سيكون الإقبال من الناس على منهج الله ضئيلا، ويكون أكثر الناس- ولو حرص الدعاة والمجاهدون- غير مصدقين ولا مهتدين ولا راشدين - كل ذلك بفعل المفسدين والمضلين والمغوين من الشياطين، وفي طليعتهم شياطين البشر الذين اجتالوا الناس عن سوء الفطرة، وعن منهج الله، بما برعوا فيه من فنون التدمير والغواية والتخريب.
وبالرغم من ذلك كله يدأب الداعون إلى الله على تبليغ رسالة الإسلام للناس بكل ما أوتوه من طاقة واقتدار دون تفريط أو تقصير - وليس عليهم بعد ذلك من بأس إذا لم يستجب من الناس إلا القليل؛ فما ينبغي لهم أن يبتئسوا إذا ما كان إقبال الناس على دين الله أقل مما تأملوا أو حسبوا؛ فتلك هي رسالة المسلمين الداعين إلى منهج الله.
وهي أن يمضوا في اهتمام ودراية وعزم لدعوة البشرية إلى دين الإسلام غير مترددين ولا متخاذلين ولا متثاقلين - والله جل وعلا يجزيهم أجورهم ويكتب لهم التوفيق والهداية والرضوان في الدنيا والآخرة.
قوله: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} أي ما تسأل هؤلاء المكذبين الذين ينكرون الوحي، ويجحدون الرسالة، ويكذبون ما جاءهم من الحق -ما تسألهم على ما تدعوهم إليه من إخلاص العبادة لله، والتزام شرعه ومنهجه {من أجر} أي من جزاء منهم يؤدونه إليك فيمنون به عليك {إن هو إلا ذكر للعالمين} يعني ما هذا الدين أو القرآن الذي جئتم به من عند الله إلا موعظة وتذكير للعالمين - وما ثوابك وجزاؤك على تبليغه إلا من الله.
قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ 105 مَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ 106 أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ 107 قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
ذلك إخبار من الله تفريط الناس وأن أكثرهم غافلون عن التفكير في آيات الله وفي ملكوته مما حوته السموات والأرض من دلائل ظاهرات سواطع تكشف عن قدرة الله ذي الجلال - فلا يمر أكثرهم بما في الكون من علامات وظواهر مثيرة عجاب إلا مرور اللاهين الغافلين، أو المعرضين السادرين في غياهب الحطام واللهو - وهو قوله سبحانه: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} أي وكم من علامة أو برهان أو دليل ظاهر في خلائق الله من السموات والأرض بدءا بالخلية البسيطة ذات المركبات المتكاملة المنسجمة، وانتهاء بما حواه الكون الهائل من أجرام ضخام، نواميس عظام، وخلائق وعجائب تشده القلب والبال (كل أولئك تمر به البشرية معاينين أو شاهدين أو دارسين، لكنهم مع ذلك كله ليسوا إلا غافلين معرضين.