قوله: {والربانيون والأحبار} معطوف على {النبيون} - وذلك في الحكم بأحكام التوراة وحمل الناس على العمل بها - والربانيون بمعنى العلماء والحكماء وقيل: العلماء والفقهاء وهم فوق الأحبار - وقيل: هم الذين يسوسون الناس بالعلم - وهو قول ابن عباس وغيره.
أما الأحبار، فهم الفقهاء والمفرد بكسر الحاء - وسمي بذلك من أجل الحبر الذي يكتب فيه - وقيل: حبر بكسر الحاء وفتحها - وقيل: أصله من التحبير، أي التزيين والتحسين - فالأحبار يحبرون العلم أي يبينوه ويزينوه - والمراد بذلك أحبار اليهود 109.
قوله: {بما استحفظوا من كتاب الله} أي بالذي استحفظوه من النبيين وهي التوراة - فقد سألهم النبيون أن يحفظوها من التغيير والتبديل، وأن يعملوا بأحكامها كاملة دون انتقاص - ويدل ذلك على استخلاف النبيين للعلماء والفقهاء في أداء هذه الأمانة التي أودعوها - قال ابن جرير الطبري في تأويل ذلك: وأما قوله: {بما استحفظوا من كتب الله} فإن معناه: يحكم النبيون الذين أسلموا بحكم التوراة والربانيون والأحبار يعني العلماء بما استودعوا علمه من كتاب الله الذي هو التوراة.
قوله: {وكانوا عليه شهداء} أي أن هؤلاء النبيين والربانين والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق وهو من عند الله - فهم رقباء على كتاب الله (التوراة) يحمونه من التغيير والتبديل.
قوله: {فلا تخشوا الناس واخشون} ذلك تحذير من الله للحكام والعلماء ونهي لهم أن يخشوا غير الله فيجوروا في أقضيتهم وأحكامهم، ويمضوها على خلاف ما أمروا به من الحق والعدل خشية من سلطان أو ظالم أو خوفا من أذى يحيق بهم أو تحرجا من لوم لائم من قريب أو صديق بل عليهم أن يخشوا الله وحده في ذلك كله فلا يميلوا أو يزيغوا وأن يظلوا على تخوف من الله وحده دون سواه، فهو الأجدر أن يخافه الناس وأن يرهبوه، فإن بيده مقاليد كل شيء وهو القاهر فوق عباده وهو المقتدر على فعل كل شيء كإعزاز المؤمنين الثابتين على الحق وقصم الجبارين والطغاة والمضلين.
قال الرازي في هذا المعنى: والمعنى إياكم أن تحرفوا كتابي للخوف من الناس والملوك والأشراف فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم وتستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف الله تعالى عنهم - فلا تكونوا خائفين من الناس، بل كونوا خائفين مني ومن عقابي.
قوله: {ولا تشتروا بئاياتي ثمنا قليلا} أي إياكم أن تستبدلوا أو تستعيضوا عن آياتي وهي أحكامي وشرائعي التي فرضتها عليكم، بالثمن المهين البخس من محقرات الدنيا وخسائسها ومغرياتها كالرشوة والجاه ورضا الناس وغير ذلك من متاع الحياة الفانية، كالذي فعله أحبار يهود في كتمانهم التوراة، إذ حرفوها تحريفا وغيروا أحكامها ومعانيها تغييرا يناسب أهواءهم ورغبتهم في الدنيا بما فيها من زخرف وغرور 110.
قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون} جاء في تأويل هذه الآية عدة أقوال، منها: أن هذه نزلت في اليهود فتكون مختصة بهم دون غيرهم وهذا القول ضعيف، لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ومنها: أن المراد ليس كفرا ينقل عن الملة كمن يكفر بالله واليوم الآخر - فكأنهم بذلك حملوا الآية على كفر النعمة لا على كفر الدين - وهذا ضعيف أيضا، لأن لفظ الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين.
ومنها: أن من لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار ويشبه بذلك الكافرين - وهذا ضعيف كذلك، لأنه مخالف لظاهر الآية.