أما اليتامى فهم الذين مات آباؤهم، ولما يبلغوا الحلم ولم يكن لهم معيل كاسب - هؤلاء الصغار الذين مات آباؤهم ولا يستطيعون أن يتكسبوا؛ لصغرهم وافتقاد من يقوم على رعايتهم، هم الأيتام الذين أوصى الله بهم وأوجب أن يعطوا من المال ما يدرأ عنهم الفاقة، ويدفع عنهم غائلة الطوى والحاجة، أما إن بلغ اليتيم الحلم فقد بات رجلا يستطيع أن يكد ويكتسب - فهو حينئذ لا يعطي من المال بكونه يتيما، إلا أن يكون ذا حاجة فإنه يعطي - وقد جاء في الحديث الشريف:"لا يُتم بعد احتلام"173.
أما المساكين فهو جمع تكسير مفرده مسكين - والمسكين هو الذي يملك ما يكفيه أو يسد حاجته من الطعام والكساء والإيواء - وفي ذلك جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال:"ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه".
وأما ابن السبيل فإنه يراد به المسافر المنقطع الذي لا يمتلك مالا - أو هو البعيد عن أهله ودياره والذي انقطعت به أسباب العيش لافتقاده المال - فذلكم يعطي من المال ما يمكنه من بلوغ أهله ودياره.
وقيل: إنه يتناول الضيف فإنه معتبر من أبناء السبيل - والضيف الذي ينزل بأحد المسلمين له واجب الضيافة من إطعام وإيواء وإتحاف.
وقوله: (والسائلين) وهم الذين يسألون الناس آو يتعرضون لطلبهم، فإنهم ينبغي أن يعطوا سواء كان ذلك من مال الزكاة أو غيرهما.
على أن السائل يعطي دون مسائلته أو التنقيب عن حقيقة حاله - فما يعتبر في هذا الأمر غير الطلب من أحد السائلين، فإنه إذا سأل وجب إعطاؤه دون مجادلة أو منّة حتى وإن جاء السائل يلبس الفاخر من الثياب - فقد أخرج الإمام أحمد بإسناده عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال: قال رسول الله (ص) :"للسائل حق وإن جاء على فرس".
وقوله: (وفي الرقاب) وهم المكاتبون - ومن المكاتبة وهي عقد بين العبد والسيد يلتزم العبد بموجبه دفع مبلغ من المال لسيده بدل إعتاقه على أن يكون الدفع على التراخي - هؤلاء المكاتبون أمانات في رقاب الأسياد المالكين - فعليهم أن يرعوهم حق رعايتهم، وأن يعاملوهم بالرحمة والإحسان، وأن يستجيبوا لطلبهم في المكاتبة ليتمكنوا بعد ذلك من الفكاك من رق العبودية - وبذلك فإن الشريعة توجب إعطاء هذا الصنف من الناس قدرا من المال يستعينون به على التحرر - ومن المعلوم أن هذا القدر من المال غير داخل في مبلغ الزكاة الواجب إخراجه لمستحقيه، ولكنه يؤديه المؤمنون الراغبون في عمل البر - وفي الحديث الشريف:"في المال حق سوى الزكاة".
قوله: (وأقام الصلاة وآتى الزكاة) أي أتم الصلاة على أحسن وجه من تمام الركوع والسجود والقراءة وتمام الخشوع والطمأنينة مع ما يرافق ذلك من اجتماع النية وحضور القلب.
وكذلك فإن من البر إيتاء الزكاة - أي دفعها لمستحقيها دون تأخير أو تردد أو إنقاص - والمراد بالزكاة هنا المفروضة وهي غير المذكورة في أوجه البر السابقة، يؤيد ذلك ما قاله الرسول (ص) :"إن في المال حقا سوى الزكاة".
وقوله (الموفون بعهدهم إذا عهدوا) العهد هو الموثق والأمان والذمة 174.
والوفاء به واجب على المسلم ليكتب عند الله مؤمنا صديقا وإلا كان على شعبة من النفاق، فقد صح في الحديث الشريف:"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".