وذلك هو شأن الإسلام مع المرأة الأم؛ إذ جعل لها من هائل التكريم وكامل الطاعة والرعاية والبر ما يفوق كل تصورات البشر من مشرعين أو متفلسفين أو مصلحين على اختلاف مسمياتهم؛ فقد جاء في الصحيح عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي 30، قال:"أمك"قال: ثم من؟ قال:"ثم أمك"قال: ثم من؟ قال:"ثم أمك"قال: ثمن من؟ قال:"ثم أبوك"ويدل هذا الحديث على أن الشفقة على الأم والاهتمام بها ينبغي أن يكون ثلاثة أمثال الشفقة والاهتمام بالأب لذكر النبي (ص) الأم ثلاث مرات وذكر الأب في الرابعة فقط - وقد روي عن الإمام مالك أن رجلا قال له: إن أبي في بلد السودان وقد كتب إلي أن أقدم عليه، وأمي تمنعني من ذلك، فقال له: أطع أباك ولا تعص أمك - وقد سئل الليث بن سعد عن هذه المسألة فأمره بطاعة الأم وزعم ان لها ثلثي البر - وحديث أبي هريرة يدل على أن للأم ثلاثة أرباع البر - وقيل: إنه لا خلاف بين العلماء أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع.
على أن الأجداد فيما سبق من تفصيل كالآباء - وكذلك الجدات فإنهن أمهات - فلا يغزوا الأولاد بإذنهم - وليس ذلك لأحد من الأقارب سوى الأصول وهم الآباء والأمهات وإن علوا 31.
قوله: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما) (إما) ، هي، إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيدا لها - ولذا دخلت نون التوكيد في الفعل، ولو أفردت إن الشرطية لم يصح دخولها (أحدهما) فاعل (يبلغن) - (كلاهما) ، معطوف على (أحدهما) .
وقد ذكر الكبر لما يصيب الآباء والأمهات في هذه السن من ضعف في الجسم وفي العقل بل في البنية الشخصية كلها - وفي هذه الحال من الضعف والهرم يكون المرء محتاجا لغيره كيما يعينه ويسعفه ويرأف به فيمد له يد المساعدة - ومن المعلوم بداهة أن الآباء والأمهات كانوا أحرص الخلق على ولدهم في صغره - فما كانت تقضهم أو تثنيهم أوساخه وأقذاره وعبثه عن الاهتمام به والحدب عليه ليظل نظيفا معافى سليما من الأدران أو العبث أو السفه - فإذا ما كبر الآباء والأمهات وانقلبت به الحال من القوة إلى هوان الجسد والأعصاب؛ لزم الولد أن يبر بهما، ويسعى جاهدا حريصا لخدمتهما والسهر عليهما، ودفع الأذى والمكاره عنهما دون تخاذل في ذلك أو تثاقل أو استكبار - وأيما تخلف دون خدمتهما وطاعتهما؛ فهو سقوط في العصيان الفظيع المفضي إلى جهنم.
قوله: (فلا تقل لهما أف) (أف) ، اسم من أسماء الأفعال؛ فهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين 32.
والأف معناه الضجر - وقيل: معناه النتن؛ أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك حين كنت تتغوط وتبول - والصواب النهي عن إسماع الوالدين أيما إساءة وإن تكن في بساطتها أن يقول الولد لهما أو لأحدهما (أف) وهذه أهون مراتب التضجر أو التبرم؛ فإن ذلك حرام - وهذا يدل على تحريم سائر أنواع الإيذاء استنادا إلى القياس الجلي وهو إذا نصّ الشارع على حكم صورة وسكت عن حكم صورة أخرى، وكان ثبوت ذلك الحكم في محل السكوت أظهر من ثبوته في محل الذكر؛ فإن محل السكوت عندئذ أولى بالحكم كالضرب أو التعنيف والشتم أولى بالتحريم من التأفيف؛ أي أن المنع من التأفيف إنما يدل على المنع من الضرب بواسطة القياس الجلي الذي يكون من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى 33.
قوله: (ولا تنهرهما) نهره وانتهره، بمعنى زجره 34؛ أي لا تزجرهما بما يسيء إليهما في تنغيص أو إغضاب أو تنفير (وقل لهما قولا كريما) وهو أن يكلمهما في لين وسهولة وأدب بما يشير إلى تعظيمهما واحترامهما، وألا يخاطبهما بصوت مرتفع من غير حاجة.