ويتحقق الصلح بين الزوجين إذا ما تخلى كل منهما عن جزء من حقه للآخر وفي ذلك دلالة السخاء وحسن الخلق وطرد الخسيس من الأنانية في النفس - فالزوجة تعفي زوجها من أن يجد نفسه مجبرا نحوها على المبيت أو المواقعة أو ما شابه ذلك مما تعافه نفسه ولا تطيقه لدمامة فيها أو سوء طبع أو خلق - وكذلك الزوج يظل يؤوي إليه زوجته فلا يطلّقها لما في ذلك من كراهة - وفي ذلك روى أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (ص) :"أبغض الحلال إلى الله الطلاق"وبهذا التسامح أو التنازل عن بعض الحق من كلا الزوجين يتم الصلح وهو خير من الفراق.
ولعل وهما يراود أحدا في تصوره وفهمه حول إسقاط المرأة حقها في المبيت أو العشرة بدل استبقائها في البيت بغير فراق - وقد يرى الواهم في ذلك ضربا من الحيف، وما هو بحيف وليس فيه شيء من ميل أو ظلم، لكنه العدل المطلق في أجلى صوره - بل إنه المراعاة الحقيقية الكاملة لطبيعة الإنسان سواء كان ذكرا أو أنثى، ويكشف عن ذلك سببان:
أولهما: أن الزوجة مخيّرة بين أمرين، فإما المفارقة وإما التغاضي عن جزء من حقها فهي ليست مجبرة على شيء من ذلك إجبارا - وعوضا عن ذلك يتغاضى الرجل عن جزء من حقه في وقوع الطلاق فلا يوقعه لما بينا - فليس من حيف أو ميل مادام الأمر على التخيير.
ثانيهما: أن المسألة تكشف عن المراعاة التامة والمطلقة للفطرة البشرية - وهي مراعاة فذّة لا تتحقق في غير هذا الدين الذي يلائم طبيعة الإنسان ويوائم جبلّته التي جاء عليها، وذلك من حيث النوازع والرغائب والاستعدادات التي فطر عليها الإنسان، وهي أساسيات نفسية عميقة لا تملك الأسباب والوسائل طمسها أو إزالتها مهما تعددت في ذلك أقوال المتحذلقين من مصطنعي التربية وأصحاب النظريات الكاثرة المتهافتة في السلوك.
والذي نقصد أن نقوله هو أن الرجل قد يُبتلى بانتكاسة من نفور محض نحو زوجته لسبب من دمامة أو طبع أو خلق بغيض - فما الحكم بعد ذلك؟ فهل نحكم على الرجل بدوام الاحتمال في صبر وفي أناة ثم نكلفه أن يصطنع المحبة اصطناعا عن قسر وإكراه؟! هل نظل نحمله على المحبّة حملا وهو لا يستطيع، أو نفرض عليه الرغبة والميل من حيث يبغض ويستنكف؟ لئن وقع شيء من ذلك فتلك خطيئة بحق الرجل؛ لما في ذلك من القهر المشين، أو لما في ذلك من إرهاق عسير يحيق به فلا يطيقه ولا يحتمله - لكن السبيل إلى الخلاص عن مثل هذا المأزق النفسي أن يُدعى كل من الزوجين إلى الصلح (والصلح خير) لما في ذلك من تنازل معتدل من كل منهما عن بعضه حقه حتى تظل الزوجية صائرة إلى حيث يريد الله لها أن تصير.
وقوله: (وأحضرت الأنفس الشح) الأنفس نائب فاعل مرفوع، والشح مفعول به ثان منصوب وهو يعني البخل والحرص - وهذا البيان من الله غاية في الكشف عن طبيعة الإنسان من حيث حبه لنفسه وتفضيله لمصالحه وشؤونه على الآخرين وتلك هي الأنانية - وهي تخليق مفطور جاء عليه الإنسان بلا مندوحة - والأنفس قد خالطها الشح منذ البداية فهو قد حضرها حضورا أو هو متأصل فيها كالمشهود المحسّ الذي لا يغادر ولا يبارح لعظيم مخالطته ومداخلته.
وتظل الكلمات التي تأخذ على عاتقها التبيين والتفسير تحوم من حول العبارة القرآنية الرائعة الفذّة فلا تعطي من الدلالة مثل ما تعطيه (وأحضرت الأنفس الشح) تظل الكلمات البشرية الموضحة ترفرف من حول هذه العبارة الربانية وما تبلغ إلا جزءا هينا يسيرا مما بلغته العبارة الكريمة من إعطاء للمقصود من خلال ألفاظ قليلة جاءت على نحو فريد معيّن من متانة الصوغ المؤثر العجيب - وفي ذلكم دلالة من دلالات عديدة على إعجازية هذا الكلام الحكيم.