وما يستطيع الرجل أن يعدل فيه هو ما كان فعلا أو ممارسة مقدورين، وذلك كالنفقة والمبيت ولو لم يكن فيه جماع، والبشاشة وحسن الاستقبال، وكريم العشرة في هشاشة ومعروف، كل ذلك يستطيع الرجل أن يقوم بتحقيقه في تسوية بين النساء ولا يجوز له في مثل ذلك أن يميل أو يحابي - وإن وقع شيء من ذلك فهو حرام - وفي مثل هذه الأمور المقدّرة كان النبي (ص) أعدل العادلين مع نسائه، فما كان يميل أو يجنح لإحداهن في نفقة أو مبيت أو هشاشة دون غيرها، لكنه فيما لا يملك من حس وجداني أو رغبة نفسية دخيلة قد يميل بقلبه وحسه لإحداهن دون الأخريات - وفي هذا روى الإمام أحمد وأهل السنن عن عائشة فقال: كان رسول الله (ص) يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول:"اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"وهو يعني بهذا القلب.
على أن الكثير من جهلة هذا الزمان ممن لا يدركون من معارف البيان أو القرآن مثقال قطمير يظنون أن هذه الآية فيها تحريم لتعدد الزوجات بالكلية لنفيها القدرة على العدل بين النساء - وأن الآية الأخرى في مطلع السورة تشترط لجواز التعدد عدم الخوف من انعدام القسط، وذلك فهم خاطئ وموهوم، وهو إنما يدل على جهل مطبق بقواعد اللسان وأصول اللغة، فضلا عن الجهل بأسباب النزول لمثل هذه الآيات الكريمة - والمعلوم أن الآية التي في مطلع السورة ذات معنى ودلالة مستقلين تماما - والآية الثانية وهي الواردة هنا ذات بعد ومدلول من صنف آخر، فلا علاقة لهذه بتلك - ذلك أن الأولى كما بينّا في موضعه تتحدث عن تحرّج بعض المسلمين من نكاح اليتيمات اللواتي تربين في حجورهم خشية أن يظلموهن، فإن كانوا على مثل هذه الحال من التحرج فلا جناح عليهم أن يلتمسوا زوجات أخريات: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) على ألا يكون في مثل هذا التعدد حيف يحيق المرأة، فإن كان ثمة حيف أو عدم عدل فلا - والمقصود بالعدل هنا ما كان مستطاعا وهو من مقدور الرجل وذلك كالإنفاق ونحوه - لكن العدل الذي لا يستطيعه أحد من الناس فهو ما كان وجدانيا أو نفسيا، أو ما كان مبعثه القلب والنفس - حيث الحب والبغض والشهوة.
قوله: (فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) وهو نهي عن الميل بالكلية لإحدى الزوجات؛ كيلا تظل الأخرى كالمعلّقة - أما المقصود بالميل كل الميل ففيه قولان:
الأول: وهو أنكم إذا ملتم بقلوبكم ونفوسكم إلى واحدة من الزوجات فلا تغلوا في الميل نحوها غلوا - ومفهوم هذا الرأي أن النهي واقع على الجنوح الوجداني بإسراف ومغالاة، فإن كان جنوحا في غير مغالاة فلا جناح فيه مادام مبعثه القلب أو النفس، لكن الجنوح في إفراط ومغالاة محظور؛ لأنه يترك الأخرى كالمعلقة فلا هي زوجة ولا هي مطلقة.
القول الثاني: وهو أن المقصود بالميل المنهي عنه هنا هو العدول عن التسوية بين الزوجات في القسم والنفقة وغير ذلك مما يستطاع.